12 سنة روماني مكرم 4

سقطت قطعة الخبز من يد مدحت. شعر بصدمة كهربائية تضرب جسده بالكامل. تجمدت الدماء في عروقه، وظل يردد ببلاهة: “حامل؟ ريهام حامل؟ إزاي؟ إحنا بقالنا 12 سنة بنموت عشان يحصل ده!”
قال القريب بأسف: “ربنا أراد دلوقتي يا مدحت. يظهر إن العيب مكنش منها هي.. أو يمكن لما ارتاحت نفسياً ربنا كرمها. المهم أنا قولت أعرفك عشان لو سمعت من برا متتفاجئش. لا إله إلا الله.”
أغلق القريب الخط، وترك مدحت في حالة ذهول تام. التفتت إليه الحاجة فايزة بعينها السليمة، وقد لاحظت تغير ملامحه وفزعه، وحاولت النطق وهي تحرك شفتيها بصعوبة: “فـ.. فـي إيـه؟ مـ.. مـدحـت.. جـرى إيـه؟”
نظر مدحت إلى أمه، وشعر بغضب عارم وحسرة تكاد تنفجر من صدره. صاح بصوت باكٍ ومجنون هز الغرفة: “ريهام حامل يا أمي! ريهام اللي قولتِ عليها عاقر ومبتخلفش ومقطوعة من شجرة! ريهام اللي خليتيني أطلقها وأخرب بيتي وأبيع شقتي وأستلف عشان أتجوز غيرها! طلعت بتخلف.. طلعت هتبقى أم، وأنا اللي خسرت الشقة والعفش والفلوس والكرامة، وقاعد هنا في الضلمة مش لاقي لقمة آكلها! إحنا اللي ظلمناها يا أمي.. إحنا اللي طمعنا ودمرنا نفسنا بإيدينا!”
انهمرت الدموع من عين الحاجة فايزة السليمة، وحاولت الكلام لكن صوتها تحول إلى نحيب مكتوم وثقيل. أدركت في تلك اللحظة أن العقاب الإلهي لم يكن فقط في مرضها أو فقرها، بل في رؤية الضحية وهي تزهر وتصل إلى قمة سعادتها، بينما هم يغرقون في القاع بسبب ما اقترفته أيديهم.
مرت الأيام، وبدأت بطن ريهام تكبر يوماً بعد يوم، ومعها يكبر نجاح مكتبها الجديد. كانت تتابع فحوصاتها بانتظام، وتحيط نفسها بحب عائلتها ودعم شقيقها أحمد، متجاهلة تماماً وجود مدحت وعائلته في هذا العالم.
أما مدحت، فقد وصل إلى مرحلة اليأس التام. وفي أحد الأيام، وبينما كان يسير في الشارع عائداً من عمله البعيد وهو محمل بالهموم، وجد نفسه دون وعي يتوجه نحو المنطقة التي يقع فيها مكتب ريهام الجديد. وقف بعيداً وراء إحدى السيارات، ينظر إلى لافتة المكتب المضيئة والراقية.
وفجأة، انفتح باب المكتب وخرجت ريهام رفقة شقيقها أحمد. كانت علامات الحمل واضحة عليها، ووجهها يشع نوراً وفرحاً وهي تضحك مع شقيقها وتستعد لركوب سيارتها الجديدة.
نظر إليها مدحت من بعيد، وامتلأت عيناه بالدموع. كان يتمنى لو يركض إليها، ويرتمي تحت قدميها ويطلب منها السماح، ويعيدها إلى حياته. تحركت خطوة ونوى الاندفاع نحوها، لكن في تلك اللحظة بالذات، التفت أحمد شقيق ريهام مصادفة، ولمح مدحت واقفاً يراقبهم من بعيد.



