زوجي العاجز بقلم نورهان العشري

زوجي العاجز بقلم نورهان العشري
بعد خمس سنوات من الاستحمام وتربيته ورعايته بدوام كامل سمعت زوجي المشلول يضحك مع رجل آخر ويقول: “دي مجرد خدامة و هبلة كمان.” في تلك اللحظة اختفت المرأة الخاضعة، وأخذ مكانها شيء أبرد وأهدأ وأخطر بكثير.
خمس سنوات لا تبدو بالكثير حتى تنجو من كل واحد منهم. خمس سنوات هي ستون شهرًا، 1825 يومًا من محو شخصيتك ببطء. قضيت العشرينات من عمري دون أن أحتفل بالإنجازات، دون أن أبني أحلام، دون أن أرى العالم، بل أتعلم أن أختفي.بقلم نورهان العشري
خمس سنوات من الاستيقاظ قبل الفجر لغلي الشوربة وسحق الأدوية وإتقان الزوايا الدقيقة اللازمة لتدوير الجسم بدون حراك حتى لا يتمزق جلده. خمس سنوات من جلسات العلاج، وليالي بلا نوم، وقوائم الأدوية الجامدة، والابتسامات الفارغة لرجل استطاع أن يحدق بي دون أن يلاحظ وجودي.
عندما كنت لا أزال ساذجة بما يكفي لأطلق عليه حبًا، كنت أعتقد أن التضحية تساوي الإخلاص. “في المرض والصحة” رددتها كالدعاء كلما آلمني ظهري أو احرقت رائحة المطهر داخلي حتى نسيت كيف كانت رائحة العطر.
وقع حادث مازن على امتداد وحيد من الطريق.. سائق مخمور. حديد ملتوٍ. حياة كادت أن تنتهي ولكنه نجا، لكن ساقيه لم تفعل. وأنا سالي زهران زوجته نجيت. حولت منزلنا إلى غرفة مستشفى. تعلمت كيفية استخدام الكراسي المتحركة والقسطرة وإجراءات الطوارئ. تعلمت أن أحافظ على هدوئي بينما يغضب هو أو يعزل نفسه أو يحبس نفسه لأيام.
ثم جاء يوم الثلاثاء. اليوم الذي تغير فيه كل شيء كنت أؤمن به تمامًا. لقد حملت كيسًا ورقيًا بنيًا مليئًا بالخبز الحلو الساخن. كنت قد استيقظت قبل الفجر لأتوقف عند المخبز قبل أن أتوجه إلى الجناح الطبي، أردت أن أحضر شيئاً مريحاً. مشيت في جناح إعادة التأهيل مع ذلك الأمل الساذج المألوف أنني سأراه يمشي ذات يوم و نرقص سويا
كنت على الشرفة حيث كان المرضى يستحمون بالشمس. وقفت خلف عمود خرساني ليس للاستماع بل لإصلاح شعري و هندمة ملابسي؛ أردت أن أبدو جميلة لزوجي. ولكن كان له رأيًا آخر. رأيًا جعلني أعرف كيف يراني
ضحك مازن وهو يقول: “يا عم دي عمالة مجانية.. حرفياً ببلاش!” كان صوته عالياً. “أنا مابدفعش مليم، وهي مابتشتكيش أبداً.. وصغيرة كفاية إنها تقدر تشيلني وتلف بيا طول اليوم. من غير ما تتعب”
ضحك الرجل الذي كان معه، فتابع مازن وكل كلمة كانت تحفر في قلبي و تجرحني بشكل أعمق:
“أنا وضحت ده من الأول. هي بتأكلني، بتنضفني، بتحارب مع التأمين، وتغسلي.. دي مش زوجة، دي خدمة كاملة مجانية. ولما أمو.ت ابني وأختي هياخدوا كل حاجة.. دول من دمي.. أما هي، فهي مجرد خدامة وخلاص.”
ضعفت ساقي. ضغطت على الخرسانة الباردة، وأنا أتمسك بكيس الخبز و كأنه باستطاعته منعي من الوقوع. قبل لحظات، كان ذلك الكيس يعني الحب. ولكن الآن يعني ذلك الإذلال.
“سالي. مطيعة. هبلة” هكذا وصفني زوجي.
لم أبكِ. الدموع لم تتدفق أبدًا. لقد سيطر عليّ سقيع كبير. تفكرت ابنه ذو الاثنين والعشرين عامًا، الذي عامل بيتنا مثل فندق: لم يتعرف علي أبداً، ولم يساعدني. وحين كنت اسأل كان مازن يخبرني
ـ إنه مصدوم
هكذا كان يقول مازن دائماً. واستمريت أنا في غسل الأطباق. و تنظيف المنزل و فعل كل شيء تحت إطار الزوجة المحبة. السراء و الضراء
ضحك مازن مرة أخرى. هذا الصوت حطمني تماماً. مشيت بعيداً في صمت. لم أواجهه. أنا لم أنهر. مشيت بعيداً
في تلك الليلة، عندما جلبته سيارة الإسعاف إلى المنزل، كان بالفعل في السرير. سألني وهو يخطف نظرة سريعة إلي: بقلم نورهان العشري
“كنتي فين كل ده؟.. جبتي العيش اللي قُلتي عليه؟”
نظرت إليه. نظرت إليه حقًا ولم أر رجلاً مكسورًا، بل طاغية محصورًا في كرسي متحرك.
قلت ببرود:
“نسيته.”
بينما كنت أريح وساداته، قطعت عهدا على نفسي. لن أصرخ. لن أجادل. ببساطة.. سأختفي. ولكن قبل ذلك، أود أن أريك كيف يبدو “الخادمة المجانية”.
لم تكن خطتي هي الهرب في جوف الليل، فالهرب فعلُ الضعفاء، وأنا كنت قد استعدت قوتي في تلك اللحظة التي انك.سر فيها قيد الحب الزائف من حول معصمي
بدأتُ بتنفيذ الاستقالة الصامتة. في اليوم التالي، لم أستيقظ قبل الفجر. تركتُ المنبه يرن حتى بحّ صوته، وحين ناداني بصراخه المعتاد يطلب الماء، دخلتُ الغرفة ببرود لم يعهده. وضعتُ كوب الماء على الطاولة البعيدة عن متناوله، وقلتُ له بجمود: “أنا مش خدامة يا مازن وحتى الخدامة ليها مواعيد شغل وساعات بريك، وأنا ساعاتي لسه مابدأتش.”
على مدار أسبوع، توقفتُ عن سحق الأدوية في طعامه المفضل، بل قدمتها له في كوب بلاستيكي بارد. توقفتُ عن تدليك قدميه اللتين لم تعودا تشعران بشيء، بينما كانت روحي هي التي تمو.ت من التعب. عندما جاء ابنه “المصدوم” لزيارته ويطلب غداءً، أشرتُ له نحو المطبخ وقلتُ:
“الفندق قفل خلاص يا حبيبي.. اللي عايز حاجة يدخل يعملها لنفسه.”
بدأتُ بالتواصل مع محامٍ سراً. اكتشفتُ أن الأوراق التي كان يوقعها لي تحت مسمى إجراءات التأمين كانت في الحقيقة تنازلات تدريجية عن حقوقي، لكنه ارتكب خطأً واحداً: لقد سجل المنزل باسمي في بداية زواجنا ليحميه من دائنيه، ونسي ذلك في غمرة غروره.
في ليلة المواجهة الكبرى، وضعتُ ملفاً أمام عينه. لم يكن فيه خبزٌ حلو، بل كان فيه أمر إخلاء للمنزل وصك ملكيتي له، وأوراق الطلاق.
نظر إليّ بذعر، ولأول مرة رأيت الخوف في عينيه. قال بصوت يرتجف: “ومين اللي هيحميني و مين اللي هيأكلني؟ أنتي إيه ماعندكيش قلب؟”
ابتسمتُ ببرود وقلت له: بقلم نورهان العشري
“أنا قلبي خلص خلاص.. استهلكته أنت لمدة خمس سنين عشان تغذي بيهم غرورك. أنا النهاردة مش بسيبك عشان أنت عاجز.. أنا بسيبك عشان في الحادثة دي روحك هي اللي ماتت مش رجليك. أنا كنت مستعدة أكون رجلك وعينك طول العمر، بس مش مستعدة أكون مجرد خدامة مجانية لبني آدم مش شايفني أصلاً.”
خرجتُ من الباب، وتركتُ له رقم هاتف لمكتب خدمات منزلية مأجورة، وقلتُ له كلمتي الأخيرة:
“جرب بقى تشتري الإخلاص بالفلوس.. وخلي اللي من دمك اللي كنت بتتباهى بيهم يستحملوا ريحة المطهر اللي أنا كتمت نفسي فيها سنين.و يشيلوك و يحموك و يدولك دوام بانتظام”



