سلفتي حكايات ندى الجمل 4

مرت عدة أشهر على ولادة ابنتي الصغيرة “أمل”، وكانت حياتنا تسير في هدوء واستقرار لم أعشه من قبل. الشقة الجديدة أصبحت ملجأنا الهادئ، وآدم وليان كبرا وبدأا يستعيدان طفولتهما الضحوكة بعيداً عن أشباح الماضي. أحمد تغير تماماً، أصبح يحرص على رضايا وعلى مشاركتي في كل صغيرة وكبيرة، وكأنه يحاول كل يوم أن يمحو خطأ الماضي بالحب والاهتمام.
وفي وسط هذا الهدوء… جاء الخبر الذي زلزل العائلة من جديد.
توفي حمايا بعد صراع قصير مع المرض، حزناً على ما آلت إليه عائلته وتفكك بيته الكبيرة. وبعد انتهاء أيام العزاء، اجتمع إخوة أحمد الثلاثة في الشقة الأرضية بالعمارة القديمة لتقسيم التركة وتصفية التجارة والمحلات التي تركها حمايا.
كنت قاعدة في شقتي مع الأطفال، لما دخل أحمد ووجهه شاحب، وفي إيده حقيبة جلدية قديمة ومظروف أصفر كبير مغلق بختم قديم.
قعد جنبي وهو بينهف وقال بصوت مرتكب:
“ندى… إحنا بنفتح خزنة أوبيا القديمة اللي في المحل، لقينا الأوراق دي… أوبيا ساب وصية وأوراق رسمية متسجلة في الشهر العقاري من سنة كاملة، قبل ما يتوفى بكام شهر.”
بصيت للمظروف باستغراب وقلتله:
“وصية؟ وحاجة تخص مين يا أحمد؟”
أحمد فتح المظروف وهو إيده بتترعش، وطلع منه عقد ملكية ومستندات تجارية رسمية، وقال بصوت مليان ذهول وشعور بالذنب المتردد:
“أبويا كتب نص المحلات والتجارة باسمك أنتِ يا ندى! وكتب الشقة الأرضية والعمارة باسم آدم وليان بأسماء صريحة وفي بند لا يجوز البيع أو التصرف إلا بموافقتك أنتِ شخصياً!”
شهقت من الصدمة وقمت من مكاني:
“باسم أنا وأولادي؟! ليه حمايا يعمل كده؟ إخواتك شغالين معاه طول عمرهم في المحلات دي!”
أحمد طلع ورقة مكتوبة بخط إيد حمايا القديم، وقال:
“اقرئي دي بنفسك…”
سحبت الورقة، وكانت رسالة كتبها حمايا قبل وفاته، نصها كان بيقطع القلب:
*(يا ندى يا بنتي… أنا بعتذرلك وأنا بين إيدين ربنا. أنا ظلمتك وظلمت شرفك وقسيت عليكي بدون وجه حق. ولأن ولادي اتساقوا ورا حريمهم وشاركوني في الظلم والعمى، أنا قررت أصلح جزء من كسر خاطرك. المحلات والتجارة دي نصها من حقك أنتِ وعيالك عشان أضمن إن محدش يقدر يجور عليكي تاني لو جرت الأيام، وعشان تسامحيني في قبري).*
الرسالة نزلت عليا زي الصاعقة. حمايا كان عايز يكفر عن ذنبه بماله وتجارته، لكنه بدون ما يقصد، فتح باب جهنم جديد بيننا وبين باقي العيلة!




