الصعايدة حكايات روماني مكرم 1

طلعت من المستشفى بجسد مهدود ورئة مخرومة، بس بقلب ميت ومفيش فيه مكان للخوف. رجعت بيتي الشبه مهدوم، شفت الخوف في عين عيالي والانكسار في عين مراتي، وعرفت إن القافلة مش هتعدي بسكوت، وإن قانون مصر القديمة بتاعنا لازم يصحى.

فتحت الكافتيريا تاني، مش عشان أبيع شاي وقهوة، لا.. عشان أكون مستعد وأجمع معلومات. بقيت أسأل ده وأراقب ده، وأتتبع خط سير “المرعب” وكل الأوكار والـ”غرز” اللي بيتجمع فيها هو ورجالته كل يوم بالليل. عرفت مواعيده، وعرفت مين بيحرسوه، وعرفت المكان المفتوح اللي بيبقوا قاعدين فيه ومأمنين نفسهم بأسلحة وشوم.

ولما الصورة كملت في دماغي، وعرفت إن المواجهة بقت فرض عين، ومفيش حكومة هترجعلي حق عيالي وكرامتي اللي اتداست.. دخلت أضيق أوضة في البيت، وقفلت الباب عليا، ومسكت التليفون.

اتصلت بكبير العيلة في الصعيد.. ناديت على أعمامي وأخواتي، وقولتلهم بصوت يزلزل الجبال:

#الكاتب_رومانى_مكرم_

* “يا كبارات العيلة.. الدم بقى للركب في مصر، وكرامة ولدكم واتداست تحت جزمة الخرجين عن القانون. عيالي انضربوا ومراتي اتهانت وأنا اتطعنت بالخنجر. عاوز الس\لاح اللي يهد الجبال، وعاوز رجالة العيلة تجيلي القاهرة فوراً!”

الرد جاني كلمتين من الصعيد هزوا سما البيت: “مسافة الطريق ونكون عندك يا ولد عمي.. الثأر مبيتنساش.”

قعدت قدام الكافتيريا في ظلام الليل، جالى تلفون من اهلى قالو احنا وصلنا انت فين طلعت قبلتهم بره علشان محدش يشك فى حاجه وخليتهم يدخلو البيت اتنين اتنين والس\لاح فى شكاير وتانى يوم الصبح اتفقنا

 

الفجر كان بيشقشق بنور خفيف وهادي، بس الجو جوه شقتي كان مشحون بنار أعتى من جمر المحاميش. الرجالة اللي جوم من الصعيد—أعمامي، وإخواتي، وولد عمي—كانوا قاعدين في الصالة زي الأسود المحبوسة، عيونهم بتتطايح منها الشرار، وكل واحد إيده ماسكة الشومة الزان المدهونة زيت والمشبعة بالصلابة، وجنبهم الشكاير اللي شايلة الحساب القديم والجديد.

كبيرنا، العم “عبد الرحيم”، راجل شعره أبيض زي القطن بس دراعه يهد حيطة، بصلي بجمود وقال بصوت واطي يرج الأوضة:

* “يا ولد أخوي.. الصعايدة لما بيمشوا في بلاد الناس، بيمشوا بالأدب والحق، بس لما كرامة بيوتهم تتهان، الأرض اللي بيطأوها بتبقى جهنم. دلّنا على موكر العيال دي، وخلي الشمس وهي طالعة تشهد إن الصعيد لما يصحى، المطاريد بيسفو التراب.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *