اللحظة الأخيرة بقلم محمد نور 2

>

انطلقت صيحات همس في القاعة. وفي تلك اللحظة بالذات، ارتجفت يدا طارق وهو يمسك بقضبان القفص. التفت بنظراته التائهة المحطمة نحوي… كان يتوسل بعينيه معجزة لم تعد ممكنة.

أما أنا، فكنتُ أجلس في الصف الأول، أرتدي ثوباً سفيرياً رزيناً، أستمع إلى كلمات القاضي وكأنها نغمات شفاء تُمسح بها أوجاع عقدين من الظلم والامتهان. لم أشعر بالفرح الخفيف أو التشفي، بل بسكينة عميقة وهدوء يشبه ذلك السكون الذي يتلو العواصف الهوجاء.

التفتُّ بهدوء، وغادرتُ القاعة بخطوات منتظمة دون أن ألتفت إلى القفص أو أطالع وجهه المكسور.

في الأيام التي تلت الصدور النهائي للحكم، بدأت رحلة إعادة صياغة الحياة من جديد.

لم أكن أرغب في العيش على أطلال الماضي أو الغرق في كومة الأموال المستردة. جمعتُ المحامين والمستشارين الماليين، وقررتُ البدء في تنفيذ الوصية الضمنية التي تركتها لي الحاجة أمينة في كلماتها الأخيرة ونظراتها الشاخصة نحو السماء.

بعتُ الفيلا الكبيرة التي شهدت على سنوات الذل، وحوّلتُ قيمتها بالكامل، مع جزء كبير من أصول الشركة المستردة، لتأسيس “مؤسسة أمينة وعبد الرؤوف للرعاية والعدالة الاجتماعية”. كانت المؤسسة تهدف إلى نقطتين أساسيتين: كفالة الأيتام والنساء اللاتي تعرضن للظلم والابتزاز المالي، وتوفير مركز طبي مجاني متخصص في رعاية كبار السن وحالات العناية المركزة التي لا تجد سبيلاً للعلاج.

أما النصف المتبقي من الشركة، فقد أعدتُ هيكلته بالكامل تحت اسم أبي، وأوكلتُ إدارته لشرفاء من ذوي الخبرة، مع حافز تخصيص نسبة من الأرباح السنوية للأعمال الخيرية.

وفي صباح يوم مشرق من أيام الربيع، زرتُ المقبرة.

وقفتُ أمام قبر الحاجة أمينة، وبجوارها قبر أبي “عبد الرؤوف”. كانت أنسام الهواء الصافية تحرك أطراف حجابي. وضعتُ غصن ياسمين طازجاً على الشاهد، وجلستُ على المقعد الخشبي القريب.

أخرجتُ من حقيبتي المفتاح الفضي الصغير… المفتاح الذي غيّر مجرى حياتي، وكسر أغلال عشرين عاماً من الصمت والخوف.

رفعتُ رأسي نحو السماء وقرأت الفاتحة لروحيهما، ثم همستُ بصوت خافق بالمشاعر:

ـ «سامحيني يا أمي… لقد كشفتُ الحقيقة كما أردتِ. أخذتُ حق أبي، ولم أظلم أحداً. أما ابنكِ… فقد تركته لعدالة السماء وقانون الأرض عسى أن تتطهر روحه من غرورها.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *