حماتي كانت بتعمل حركة غريبة حكايات بسمة 1

حماتي فتحت الباب بسرعة.
ودخلت ضرتي وأولادها.
وأنا وقفت مكاني مش قادرة أستوعب.
حماتي بدأت تطلع الأطباق اللي كانت لسه شايلها من السفرة وتحطها قدامهم.
لحمة.
رز.
محشي.
بطاطس.
وأنا وجوزي واقفين نبص.
جوزي قال:
«ماما… إنتِ بتعملي إيه؟»
حماتي سكتت.
ضرتي نفسها بصت لها، وبعدين بصت لجوزي، واتوترت.
قال لها:
«إنتِ كنتِ مخبية الأكل عشان تديهولهم؟»
حماتي ردت:
«دول ولادي يا ابني، وهما وأولادهم أولى.»
جوزي بص لها بصدمة.
«طب وإحنا؟»
قالت بكل برود:
«إنت مراتي بتطبخلك في بيتك.»
سكت.
وأنا لأول مرة فهمت إن الموضوع ماكانش توفير أكل.
ولا كان خوف إنه يخلص.
هي كانت بتستنى جوزي يخرج عشان توزع الأكل اللي أنا كنت بساعد في تحضيره على ضرتي وأولادها.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب.
لأن جوزي ما اتخانقش مع أمه.
ما رفعش صوته.
بس قال لها جملة واحدة، خلت حماتي لأول مرة ما تعرفش ترد:
«ماما… طب والأكل اللي أنا كنت ببعتهولك كل أسبوع عشان يكفي البيت… كنتِ بتديه لمين؟»
يتبع…
حكايات بسمة
الفصل الثاني
البيت كله دخل في صمت تام، صمت تقيل كأن حد علق طوبة فوق دماغ كل واحد فينا. حماتي كانت واقفة مسمّرة مكانها، وبقها مفتوح شوية كأنها عايزة تنطق بس الحروف هربت منها. ضرتي بلعت ريقها بصعوبة بالغة، وراحت شادت ابنها الصغير من إيده ووقفت ورا الباب كأنها بتستخبى من عاصفة جية في الطريق.
جوزي ماحركش عضلة واحدة في وشّه. نظراته كانت ثابتة على أمه، نظرة مكسورة على مستغربة على مصدومة. الكلمة اللي قالها نزلت على الكل كأنها صاعقة.
هو كان فاكر إن الخير اللي بيبعته كل أسبوع لأمه — من لحمة وفراخ وتموين وطلبات تملى البيت وتكفي وزيادة — بيروح في مكانه الصح، عشان يريحها ويخليها مرتاحة وما تشيلش همّ أكل ولا شرب، وخصوصًا إنها ست كبيرة.
بعد ثواني من الصمت اللي كان أصعب من ألف صرخة، حماتي حاولت تبلع ريقها وتستعيد توازنها، ورفعت راسها وقالت بصوت مهزوز شوية بس فيه نفس العناد القديم:
«إيه يا ابني؟ يعني أكل بتبعته لأمك هتعده وتعد لقمته؟ ما أنا ست كبيرة وليه بيتي وضيوفي و…»
قاطعها بصوت هادئ بطريقة مرعبة، صوت واطي بس كل كلمة فيه كانت نازلة بوزن الجبل:
«ضيوف مين يا ماما؟ وليه بيتك؟ هو أنا مش كنت ببعت أكل يكفي بيت لوحده؟ أكل تمنه بيتصرف من عرق جبيني عشان ترتاحي إنتِ، مش عشان تشيليه من قدامي وقدام مراتي اللي واقفة بتطبخ وتتعب بالساعات، وتديه لناس تانية من ورا ضهري!»
ضرتي هنا ما قدرتش تسكت، وطلعت راسها من ورا الباب وقالت بصوت متبوع بدفاع هجومي:
«ليه يا أخويا بتقولها “ناس تانية”؟ دول إخواتك و ولاد أخوك! ولاد المرحوم اللي ملوش غيرنا! إنت يعني عشان ربنا رزقك وعايش في مستوي كويس باصص للقمة العيش اللي عيال الغلابة بياكلوها؟!»
بصيت لضرتي وأنا الدم دمع في عيني من القهر. الاستغلال ده كان بيتعمل على حساب صحتي ومجهودي، وفوق كل ده أنا اللي كنت بتهم بالتقصير!
بصيت لجوزي عشان أشوف رد فعلّه، لقيته بيتنفس بعمق، ووجه كلامه لضرتي مباشرة وهو حاطط إيده في جيبه:
«الغلابة على عيني وعلى راسى، ولو كنتِ جيتي قلتيلي يا فلان عيالي جعانين ومحتاجين أكل، كنت شلتكم فوق راسي وفتحتلكم بيتي قبل بيتي! لكن الطريقة دي؟ الخداع والتخبية والكدب؟ إني أكون قاعد باكل لقمة ناشفة ومراتي بتجيب أكل من بيتها عشان تكمل، وإنتوا تاكلوا من تعبنا ومن خيرنا في السر؟ دي مش أصول ولا دي تربية اللي ربيتونا عليها يا ماما.»
حماتي هنا عيونها لمعت بالدموع المصطنعة، وحطت إيدها على صدرها وبدأت تمثل دور الأم المظلومة اللي ولادها جاحدين عليها:
«بقى ده جزاتي يا بني؟ بتكلمني أنا بالطريقة دي عشان خاطر مراتك؟ ما هي من ساعة ما دخلت البيت ده وهي ناشفة وعينها فارغة، مش عاجبها إن عائلي ياكلوا معايا! طبعا، ما هي قاعدة في رغد وعايزة تاخد كل حاجة لوحدها!»
الكلمات نزلت عليا زي السك/ينة. أنا اللي كنت بنزل المطبخ من الصبح، أقف على رجلي بالساعات عشان أعمل أحسن أكل، وأتحمل تقطيرها وكلامها المنور، وفي الآخر أنا “العينها فارغة”؟!
فضلت باصة في الأرض ومش قادرة أنطق، حسيت إن روحي بتتسحب مني. الكرامة لما بتتهان في البيت اللي مفروض يكون أمانك، بتبقى أثقل من أي همّ تاني.
جوزي حس بيا، بصلي لقاني ماسكة في طرف العباية بتاعتي وإيدي بتترعش. رجع بصرة لأمه وقال بحسم:
«لمي لسانك يا ماما، مراتي لا جابت سيرتها بسوء ولا قالت كلمة عيب في حقكم من أول ما جينا هنا، اللي بيحصل ده نكد وقرف وخداع، وأنا مش هسكت عليه أكتر من كده.»
قربت من جوزي بخطوات بطيئة، وشدفت إيده براحة وقلت بصوت متهدج:
«خلاص يا أحمد… سيبك منهم، خلينا نمشي، مش عايزة وجع دماغ ولا مشاكل.»
حماتي اتفاجئت من كلامي، كأنها كانت متوقعة إني أرد الإهانة بإهانة عشان تمسكها عليا. بس سكوتي وهدوئي جننوها أكتر.
قالت بصوت حاد:
«أيوه، خدي جوزك واطلعي على شطتك، ما إنتِ اللي خطفتيه مننا ومن وسطنا، من يوم ما دخلتِ البيت ده والبركة اتسحبت!»
جوزي ما استملش الكلام ده، واتحرك خطوة قدام وقال بصوت عالي لأول مرة:
«لحد هنا وبس! الشقة دي من النهاردة مش هيدخلها كيلو أكل واحد مني! وكل قرش كنت ببعته عشان مصاريف البيت هنا، هيتراجع حسابه بالملّي. وإنتِ يا فاني (يقصد ضرتي)، لو ولادك جعانين، جوزك الأولاني كان سابلك معاش، أو أنزلوا اشتغلوا واصرفوا عليهم، مش تعيشوا عالة على تعبي وتخربوا بيتي بالدسائس!»
البيت كله اتشحن كهربا. ضرتي عيطت بصوت عالي وعملت نفسها مظلومة، وحماتي قعدت على الكرسي تلطم على وشها وتصوت:
«يا حصرتي على تربيتي فيك يا بني! بقيت تطرد أمك وتجوع إخواتك عشان خاطر ست الحسن والجمال!»
أحمد مسك إيدي جامد، وقال بصوت حاسم:
«يلا يا بسمة، اطلعي على فوق.»
طلعت معاه الشقة بتاعتنا، وقفلنا الباب ورانا. حسيت إن الأكسجين رجع يدخل صدري لأول مرة من ساعات. قعدت على الكنبة وأنا دموعي نازلة بصمت، مش قادرة أصدق إن كل ده كان بيحصل ورا ضهري طول الشهور اللي فاتت، وإني كنت فاكرة نفسي غشيمة أو مقصرة، بينما كنت مجرد “طباخة” شغالين عندها لحساب ناس تانيين.
أحمد قعد قدامي، مسك إيدي وباسها وقال بصوت دافئ مليان أسف:
«حقك عليا يا بسمة. أنا آسف إني مكنش عندي فكرة عن كل ده. سامحيني إني دخلتك وسط ناس بتعرف تظهر غير ما تبطن.»
بصيت في عينه، ولقيت الصدق جواه، فحطيت إيدي على إيده وقلت:
«مش منك يا أحمد، إنت كمان اتضحك عليك زيي. بس… تفتكر الموضوع هيعدي بالساهل تحت؟»
ابتسم بسخرية مرة وقال:
«لا يا حبيبتي، اللي حصل ده مش مجرد مشكلة أكل وخلاص… ده فتح الباب على بلاوي تانية كتيرة أوي كانت مستخبية تحت السجادة، وأنا مش هسكت غير لما كل واحد يعرف حجمه الحقيقي في البيت ده.»
سكتنا إحنا الاتنين، وصوت خبطات خفيفة بدأت تيجي من باب الشقة من برا، كأن حد بيحاول يفتح الباب أو يخبط بعنف، والمرة دي الصوت كان صوت حماتي وهي بتزعق وتنده بصوت عالي عشان تلم الجيران علينا، وتعمل من الفسيخ شربات وتطلعنا إحنا الظلمة وهي المظلومة…
بصيت لأحمد وقلت بقلق:
«شكلها مش ناويها على خير…»





