جوزي كان بيجهز حكايات زهرة الربيع 2

بدأتُ أستغل هذا المبلغ في تحسين مستوى معيشة البنات؛ ألحقتهن بدورات تدريبية وتقوية، واشتريت لهن كل ما يحتاجن إليه ليكون أفضل حالاً بين زميلاتهن في المدرسة. تحول البيت من ساحة للصراع والمهانة إلى مملكة صغيرة تديرها الأم بحكمة وقوة، ويكون فيها الأطفال هما المرجعية الأولى والأخيرة.

وفي ليلة من الليالي، بعد أن نامت البنات، نزل محمود من فوق بعد أن أنهى بعض الصيانة الخفيفة في السلم. قعد في الصالة وناداني بصوت خافت ومكسور: “هبة.. ممكن أتكلم معاكِ دقيقة واحدة؟”

خرجت وقفتُ عند الباب وقلت: “خير يا محمود؟”

قال وهو ينظر إلى الأرض: “أنا بكره عندي جلسة في المحكمة بخصوص قضايا التجار ومواد البناء.. المحامي قال لي إن المحكمة ممكن تأجل أو تدي مهلة سداد لو قُدم ما يثبت إني بالتزم بالدفع. أنا عارف إني أخطأت في حقك وفي حق البنات، وعارف إن كلام أمي هو اللي عماني.. بس أنا شغال ليل نهار عشان ألم الشمل وأستر البيت. هل فيه أمل إنك تسحبي القضايا أو تديلي فرصة أثبت إني اتغيرت بجد؟”

نظرتُ إليه بتمعن؛ رأيتُ في وجهه آثار التعب الحقيقي والندم الداخلي، لكن الجرح الذي أحدثه في قلبي وفي كرامة بناتي لم يكن ليمحي بكلمات بسيطة أو بوعود عابرة.

قلتُ بنبرة هادئة وحاسمة: “الفرصة مش كلام يا محمود.. الفرصة أفعال بتثبتها الأيام. الجلسة بكرة المحامي بتاعي يحضرها، وهيقدم للمحكمة ما يثبت إنك بتسدد أجزاء من ديونك للبيت وللبنات، وده هيحميك من السجن. لكن رجوع المياه لمجاريها أو التنازل الكامل عن حقوقي، ده شيء مركون للزمن.. لما أشوف إنك بقيت سند حقيقي لبناتك مش أداة في إيد غيرك، ساعتها بس هفكر.”

تركته وقفتُ أتابع من النافذة هدوء الشارع، وأنا أعلم تماماً أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن الطريق لإعادة بناء الحياة على أسس صلبة يحتاج لمزيد من الصبر والثبات، وأن كرامة المرأة وعزتها هي السلاح الوحيد الذي يضمن لها ولأطفالها آينما كانوا مستقبلاً آمناً لا يجرؤ أحد على مساسه.

في صباح اليوم التالي، خرج محمود من البيت بخطوات ثقيلة وجهه يكسوه الهم والتردد، متوجهاً إلى ساحة المحكمة لمواجهة قضايا التجار. كانت الشمس حارقة، ورطوبة الصباح تتسلل إلى صدره فتزيد من ضيقه. ولأول مرة منذ سبع سنين، يمشى في الشارع وحيداً بغير سند، بلا هيبة الرجل المقتدر التي طالما حاول الادعاء بها، وبلا رضا الزوجة التي صانته طويلاً، ولا حتى بدعم أمه التي اختفت داخل غرفتها وانكسرت شوكتها تماماً بعد أن رأت نتائج حصادها المر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *