جوزي كان بيجهز حكايات زهرة الربيع 3

تغير مجرى الحياة في البيت بشكل كامل خلال الشهرين التاليين، وأصبح الهدوء السائد ليس هدوء ما قبل العاصفة، بل هدوء النفوس التي أدركت حجماً حقيقياً لأخطائها وعواقب أفعالها. لم يعد محمود ذلك الرجل الذي ينساق خلف الشعارات الزائفة، بل تحول إلى إنسان آخر يسابق الزمن ليعيد بناء ما هدمه بغروره وطمعه.
كان يخرج مع أذان الفجر، يسعى في مواقع البناء والتشطيبات، يعمل بيديه وعقله ليجمع القسط الأخير المتبقي من ديون مواد البناء. لم يعد يأنف من أي عمل، ولا يتذمر من التعب؛ كان كل عرق يسقط من جبينه بمثابة كفارة عن المهانة التي ألحقها ببيته وبناته. وفي نهاية كل أسبوع، كان يضع المبلغ المتفق عليه لمصروف البيت على الطاولة بكل احترام، دون أن ينقص منه جنيهاً واحداً، ودون أن يجرؤ على السؤال عن إيجار الشقة العلوي الذي يستقر بانتظام في حساب البنات البنكي.
أما الحاجة حكمت، فقد انكسرت نبرة الاستعلاء في صوتها تماماً. أصبحت تجلس أغلب أوقاتها في صمت، تصلي وتدعو لبنات ابنها. كانت تنظر إليّ ونظراتها مليئة بتخليط عجيب من الخجل والامتنان؛ الخجل من المخطط الفاشل الذي قادت ابنها إليه، والامتنان لأنني لم أطردها أو أستغل القضايا لأرمي ابنها في السجن وأشرد العائلة. أصبحت هي من تطبخ للبنات وتساعدهن في ترتيب الغرف، تحاول بكل طريقة ممكنة أن تكسب رضاهن ورضاي.
وفي أحد أيام الجمعة، وقبل أسبوع واحد من الموعد المحدد للجلسة النهائية في المحكمة، دخل محمود البيت وهو يحمل في يده ظرفاً أصفر كبيراً. كان وجهه مجهداً للغاية، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق لم أره فيه منذ سنوات.
جلس على الكنبة في الصالة، وناداني بصوت هادئ: “هبة.. ممكن تقعدي دقيقة؟”
خرجت من المطبخ وقعدت على الكرسي المقابل، بينما خرجت الحاجة حكمت ببطء وجلست في الزاوية، وجاءت فريدة ونور وتاليا ليجلسن بجوار والدهن.
فتح محمود الظرف وأخرج منه مخالصة مالية رسمية مختومة من المحامي ومن صاحب شركة مواد البناء، تفيد بسداد كامل المستحقات والديون وإلغاء كافة الدعاوى المرفوعة ضده. وضع الورقة على الطاولة أمامي، ثم أخرج ورقة أخرى مطبوعة بختم الشهر العقاري.
قال محمود بصوت خافت ونبرة مشحونة بالصدق: “دي المخالصة النهائية يا هبة.. سددت أخر جنيه كان عليّ للشركات وللمقاولين، ومعدش عليّ أي دين لأي مخلوق بره البيت ده. والورقة الثانية دي.. تنازل رسمي ومسجل في الشهر العقاري عن نصيبي في الشقة اللي فوق، وبقت مكتوبة باسم البنات الثلاثة: فريدة ونور وتاليا، ملكية نهائية مفيش حد يقدر ينازعهم فيها طول العمر.”





