جوزي كان بيجهز حكايات زهرة الربيع 3

مرت الأيام والأسابيع، وأغلقت صفحات القضايا والديون كأنها كابوس انقشع مع طلوع الفجر. أصبحت الشقة في الدور العلوي ملكاً خالصاً للبنات، أوراقها مسجلة ومحفوظة في أمانة المحامي، وعوائدها تُبني بها أحلامهن المستقبلية خطوة بخطوة.
تحول البيت إلى الواحة التي طالما حلمتُ بها؛ بيت ينبض بالاحترام والقيمة، لا مكان فيه لصوتٍ يعلو بالباطل، ولا وجود فيه لتفرقة بين ولد وبنت. محمود تغير كلياً؛ أصبح الأب السند بحق، يرى في عيون فريدة ونور وتاليا سر سعادته ونجاحه في الحياة. لم يعد يرى العزوة في الكثرة والتباهي، بل في التربية الصالحة واللقمة الحلال والكرامة المرفوعة.
أما الحاجة حكمت، فقد تبدلت تماماً. أصبح صمتها حكمة، ودعاؤها لبنات ابنها لا ينقطع. عُرفت في الحارة بتغيرها الشديد، وباتت تتباهى بـ “بنات محمود” وذكائهن وأخلاقهن أمام الجميع، داعيةً لهن بالستر والنجاح، بعد أن أدركت أن الرزق والفخر ينبعان من قلب الست الصائنة التي تحفظ بيتها بعقلها وقوتها.
في مساء يوم دافئ، اجتمعت العائلة في الصالة. كانت فريدة تجلس أمام كتابها تستعد لامتحانات الفصل الدراسي، ونور وتاليا تلعبان بجوار والدهن الذي كان يساعدهما في تلوين رسوماتهما. وقفتُ عند باب المطبخ أراقب المشهد وأنا أحمل صينية الشاي الدافئة.
نظر محمود إليّ، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة ملؤها الرضا والسكينة. قام من مكانه وقرب مني، أخذ الصينية من إيدي بتقدير وقال بصوت خافت مسموع: “عارفة يا هبة.. أنا كل يوم بسبح ربنا إنه هداني وعقلني قبل ما أضيع البيت ده بيدي. الذهب اللي كنت فاكر إنه بيتباع ويشترى، اكتشفت إنك أنتِ الذهب الحقيقي اللي يصون البيت والعيال.”
رديت عليه بابتسامة ثقة وراحة بال: “الذهب يا محمود هو العزة والكرامة. ولما الست تعرف حقها وحق بناتها وتحميه بالعقل والقانون، البيت كله بيتعدل ويمشي في الطريق الصح.”
ضحكت البنات وانضمت الحاجة حكمت إليهن تدعو لهن بالبركة، وعادت الحياة إلى مجراها الصحيح، ليس بفضل المعجزات، بل بفضل امرأة رفضت الهوان، واستردت حقها وكرامتها، وصنعت لبناتها مستقبلاً آمنًا ومرفوع الرأس إلى الأبد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




