جوزي كان بيجهز حكايات زهرة الربيع 3

رفعت عيني النظر في الورقة، ثم نظرت إليه باستغراب متسائلة: “ليه عملت كده يا محمود؟ الشقة دي كانت حلمك اللي ضيعت عشانها كتير.”
رد محمود بدموع تتجمهر في عينيه، ونظر إلى بناته بقلب محروق من الندم: “الحلم الحقيقي كان تحت رجلي وأنا مش شايفه يا هبة. الشقة اللي فوق دي كانت رمز لغبائي وطمعي، وكانت هتكون سبب في خراب بيتي. أنتم السند الحقيقي، والبنات دول هما اللي هيشيلوا اسمي بجد لما أكون مش موجود. التنازل ده مش عشان أشتري خاطرك ولا عشان تسحبي وصل الأمانة.. التنازل ده حقهم القانوني الشرعي عشان يفضلوا عايشين مرفوعين الرأس حتى لو أنا جرى لي حاجة.”
نظرت الحاجة حكمت إلى ابنها، ثم مسحت دموعها بطرف شالها وقالت بصوت مكسور: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا هبة يا بنت أصول. أنا اللي عمت عين ابني، وأنا اللي حسسته إن البنات قلة بخت وتعب، وما عرفتش إن ربنا رزقنا بيكي وبيهم عشان تكونوا ستر البيت ونجاته. لو فيه حد لازم يترجم العفو والصفح.. فهو أنتِ.”
تنفس البيت كله الصدمة والراحة في تلك اللحظة. رفعت فريدة رأسها وبصت لأبوها وقالت: “يعني الشقة اللي فوق بقت بتاعتنا يا بابا؟ ينفع نعمل فيها مكتبة ونذاكر فيها إحنا وأخواتي؟”
احتضن محمود فريدة وقبل رأسها بحرارة وقال: “الشقة بقت بتاعتكم تعملوا فيها اللي أنتم عايزينه يا قلب بابا.. مفيش حد يقدر يضايقكم أو ياخد حقكم بعد النهاردة.”
مسكتُ الورقتين بيدي، وشعرتُ بالحمل الثقيل ينزاح عن كاهلي. لم تكن المسألة مسألة انتقام أو استعراض قوة، بل كانت مسألة إرجاع الأمور إلى نصابها الصحيح، وتأديب الغرور الذي كاد يطيح بأسرة كاملة.
قلت لمحمود بنبرة متزنة وقوية: “المخالصة دي هتروح للمحامي بكرة، والقضايا المقامة ضدك بسبب الديون هتتقفل تماماً. أما وصل الأمانة.. هيفضل محفوظ في مكان أمين، مش عشان أهددك بيه، لكن عشان يفضل يفكرك دايماً إن كرامة بيتك وبناتك خط أحمر، وإن اللي يفرط في اللي صانته الأيام، الشارع والقانون مش هيرحموه.”
أومأ محمود رأسه بالقبول الشديد والامتنان، وقال: “أنا راضي بكل اللي تشوفيه يا هبة.. يكفيني إني أرجع أنام في بيتي وأنا عارف إن بناتي وأمهم راضيين عني، وإننا بنبني حياتنا من جديد على مية بيضاء.”
خرجت إلى السلم وصعدت إلى الدور العلوي، فتحت الباب ونظرت إلى جدران الشقة الفارغة التي شهدت على الفضيحة وعلى الانكسار، واليوم تشهد على الاسترداد والعدل. علمت في تلك اللحظة أن القوة الحقيقية للمرأة ليست في البكاء أو الشكوى، بل في الوقوف بثبات واستخدام العقل والقانون لحماية حق أطفالها، وأن الدرس الذي تعلمه محمود وأمه سيبقى محفوراً في أذهانهم طوال العمر.





