مرات ابني شغاله ومرتبها كبير قوي، وعرفت من ناس بره إنها ناوية تطلع أمها وأبوها عمرة من غير ما تقوللي ولا تاخد رأيي. كلمت ابني وقلتله: مقالات ذات صلة حكايات اسما السيد 1 منذ يومين اتطلقت حكايات رومانى مكرم 2 منذ 3 أيام حكايات اسما السيد 2 منذ 3 أيام حكايات امانى السيد منذ 4 أيام “سمعت إن مراتك هتطلع أهلها عمرة من فلوس البيت، مش احنا أولى بالفلوس دي؟ أو على الأقل كانت تطلعني أنا.” البيت كان هس هس، وصوت تكتكة الساعة في الصالة كانت مسموعة وبتدب في الودان زي دقات الطبول. “الحاجة فاطمة” كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، عينيها مش فارقة شاشة التليفون اللي قايدة في ضلمة الأوضة، صوابعها كانت بتفرك في السبحة بعنف مش متعودة عليه، وكل ما تفتكر مكالمة “أم أحمد” جارتها من ساعتين، الدم يفور في عروقها. “أم أحمد” مالت عليها بعد صلاة العصر وقالتلها بضحكة صفرا: *”مبروك يا حاجة فاطمة، عقبالك كده لما تفرحي.. سمعت إن ست الحُسن والجمال، مروة مرات ابنك، حجزت عمرة لـ حماها وحماتها الشهر الجاي، طيران وفندق خمس نجوم على الحرم علطول! عقبال ما تفتكرك يا حبيبتي.”* الكلمة نزلت على قلب فاطمة زي المية المغلية. مروة، مرات ابنها “محمود”، الموظفة الكبيرة في الشركة الإنترناشونال، اللي مرتبها وبدلاتها يعدوا الشئ الفلاني، بتعمل كل ده من ورا ظهرها؟ تطلع أبوها وأمها عمرة، وماتقولش لحماتها؟ ولا حتى تاخد رأيها في البيت اللي هي كبيرة فيه؟ فاطمة مأستنتش كتير. أول ما سمعت صوت مفتاح محمود بيتحط في الباب، قامت وقفت. محمود دخل والتعب باين على وشه من شقا طول النهار في معمل التحاليل اللي شغال فيه. قبل ما يقعد ولا يغير هدومه، لقى أمه واقفة قدامه وعينيها بتطلع شرار. فاطمة بصوت حاد ومكتوم عشان مروة متمسكش عليها غلطة: “سمعت إن مراتك هتطلع أهلها عمرة من فلوسها.. مش إنتوا أولى بالفلوس دي يا محمود؟ البيت أولى بقرش، والعيال مدارسهم ومصاريفهم بتقطم الظهر.. أو على الأقل، لو الفلوس فايضة معاها قوي كده، كانت تطلعني أنا! أنا اللي شقيت وربيت، مش أبوها وأمها اللي قاعدين متهنيين!” محمود اتسمر في مكانه، الشنطة وقعت من إيده على الكرسّي، وبص لأمه بذهول: “عمرة إيه يا أمي؟ وفلوس إيه؟ مروة مقالتليش حاجة عن الموضوع ده خالص!” فاطمة ضحكت بسخرية ولفت وشها: “تصدق وتأمن بالله؟ إنت آخر من يعلم في البيت ده يا قلب أمك! الهانم بتخطط وتنفذ من ورا ظهرك، وعرفت من ناس بره.. ناس بره غُرب يعرفوا، وأنا وأنت يا عيني علينا قاعدين في غفلة!” محمود أحاسيسه اتلخبطت.. الغضب عمى عينيه، مش بس عشان الفلوس، عشان شكل رجولته قدام أمه، وإزاي حاجة بالحجم ده تحصل من ورا ظهره؟ دخل شقته في الدور الفوقاني وفجر البركان. مروة كانت واقفة في المطبخ بتجهز العشا، دخل عليها وعينيه حمرا: “بقى بتخبي عليا يا مروة؟ بتحجزي عمرة لأبوكي وأمك بمبالغ وقدرها وإنتِ عارفة إننا داخلين على مصاريف مدارس وأقساط؟ ومن ورايا؟ هو أنا ماليش كلمة في البيت ده ولا كيس جوافة؟” مروة اتخضت، سابت المعلقة من إيدها وبصتله بصدمة، لكن ملامحها اتحولت بسرعة لثبات وقوة متعودة عليهم من صغرها: “جرى إيه يا محمود؟ بتكلمني كده ليه؟ ومين قالك الكلام ده؟” محمود صرخ: “مش مهم مين قالي! الكلام ده صح ولا لأ؟ حجزتي ولا محجزتيش؟” مروة أخدت نفس طويل، ربّعت إيديها وقالت بكل برود وثقة: “آه يا محمود، حجزت. الشهر الجاي إن شاء الله طالعين. ودي فلوسي، تعبي وشقايا وشغلي طول السنة، ومن حقي أفرح أبويا وأمك اللي كبروني وعلموني لحد ما بقيت في المكانة دي.. إنت مالك ومال فلوسي؟” محمود حس إن الكلمة ضربت كرامته في مقتل: “مالي ومال فلوسك؟ إنتِ مراتي! وبيتك وعيالك أولى بكل مليم، وأمي.. أمي أولى ببرك لو عندك بر!” مروة ضحكت بوجع وسخرية: “أنا مش مقصرة في بيتي يا محمود، ومصاريف عيالك إنت المسؤول عنها الأول، وأنا بساعدك بـ يـدّي الشقا برضايا مش غصب عني. أما أمك.. فـ أمك عندها ولادها يبروها، أنا ببر أبويا وأمّي من مالي الخاص.. ولا هي الحكاية إن الحيزبونة نقلتلك الكلام وسخنتك؟” في اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف. فاطمة كانت واقفة على العتبة، وشها جايب ألوان من الغيظ، وكانت سامعة كل كلمة من ورا الباب. فاطمة دخلت بنبرة تهز الحيطة: “مين هي اللي حيزبونة يا ست مروة؟ أنا حيزبونة عشان بفتح عين ابني المغفل اللي مش عارف مراته بتودي فلوسها فين؟ يا خسارة تربيتي فيك يا محمود لما تسيبها تغلط فيا في بيتي!” مروة مراجعتش خطوة لورا، بصت لـ حماها “الحما” وقالتلها وعينيها حادة زي الموس: “أنا مغلطتش يا حاجة، بس اللي يدخل في اللي ملوش فيه، يسمع اللي ميرضيهوش. دي فلوس شغلي، وأنا حرة فيها.. ومش هسمح لمخلوق يتحكم في قرشي!” محمود صوته هز البيت كله، ورفع صباعه في وش مروة وهو بيترعش من الغضب: “لحد هنا وكفاية يا مروة! أمي خط أحمر.. وفلوسك دي لو مكنش بيتي وأمي ليهم نصيب فيها بالرضا، يبقى مفيش عيش وملح بينا، والظاهر إن القعدة في البيت ده كترت عليكي!” مروة بصتله بنظرة غريبة جداً.. مكنش فيها خوف، كان فيها تحدي مرعب، وابتسامة غامضة اترسمت على وشها وهي بتبص لـ حماها وليه. مروة قالت بصوت واطي ومخيف: #الكاتب_رومانى__مكرم__ “ماشي يا محمود.. إنت وأمك اللي اخترتوا تفتحوا الباب ده.. ومادام دخلنا في الحسابات والفلوس، يبقى من بكرة كل حاجة ه تتغير في البيت ده.. وهتشوفوا مروة تانية خالص!” سابتهم ودخلت الأوضة وقفت الباب وراها بالمفتاح، وسابت محمود وأمه في الصالة، الأنفاس عالية، والشر اللي اتمكن من القلوب فتح أبواب للي جاي.. وجاي كتير قوي. مقالات ذات صلة حكايات اسما السيد 1 منذ يومين اتطلقت حكايات رومانى مكرم 2 منذ 3 أيام حكايات اسما السيد 2 منذ 3 أيام حكايات امانى السيد منذ 4 أيام مروة قفلت باب الأوضة بالمفتاح، وحطت ظهرها على الباب وأنفاسها المتسارعة بتعلا وتهبط. دموع الغيظ كانت محبوسة في عينيها بس رفضت تنزل. رفعت راسها وابتسمت ابتسامة باردة وهي بتسمع صوت حماتها بره في الصالة بتزن في ودن محمود وبتقول: “شفت يا ابني؟ شفت البجاحة وصلت بإيه؟ دي قفلت الباب في وشنا! دي بتستقوى عليك بفلوسها وشغلها!”. محمود بره كان بيمشي في الصالة جي رايح زي الأسير المحبوس، كرامته متجرحة، وشيطانه عمال يقيده. كلام أمه بيغلي في دماغه، وكبرياؤه كرجل حاسس إن السجادة بتتسحب من تحت رجليه. قعد على الكرسي وحط ربه بين إيديه، وقال بنبرة مكسورة: “خلاص يا أمي.. خلاص، سبيها دلوقتي وتصلي على النبي، بكرة الصبح كل حاجة هتتبين.” ليلتها، البيت مانامش. فاطمة نازلت شقتها تحت وهي طايرة من الفرحة إنها قدرت تحرك محمود وتولع النار، بس في نفس الوقت قلبها كان متوغل بالغل لأن مروة ما اتكسرتش ولا اتطأطأت راسها زي ما كانت متوقعة. ومحمود نام على الكنبة في الصالة بعد ما حاول يفتح باب الأوضة ولقاه مقفول، أما مروة، فقضت الليل كله قدام اللابتوب بتاعها، بتراجع حسابات، وبتكتب في ورقة وقلم، وبترتب لخطتها الجاية بمنتهى الهدوء والذكاء. الصبح طلع، وصوت المنبه ضرب الساعة سبعة. محمود قام من على الكنبة وظهره متكسر، متوقع يلقى مروة بتجهز الفطار للعيال أو مستنية تتكلم وتتأسف. بس المفاجأة إن الشقة كانت هادية تماماً. خرجت مروة من الأوضة، لابسة طقم الشغل الشيك جداً، وحاطة ميك أب خفيف، وواقفة قدام مراية الصالة بترتب طرحتها بكل ثبات. محمود وقف بصافن فيها، وقبل ما ينطق كلمة، مروة لفت وقالت بصوت هادي وراسي جداً، خالي من أي انفعال: “صباح الخير يا محمود. العيال صحيوا وجاهزين، وأنا أخدت إجازة ساعة من شغلي عشان أخلص معاك الحسابات اللي طلبتها امبارح.” محمود حواجبها اتعقدت: “حسابات إيه؟” مروة طلعت ملف أبيض من شنطتها وحطته على الترابيزة: “امبارح إنت قولت إن ما دام دخلنا في الحسابات والفلوس، يبقى كل حاجة تتقال بالورقة والقلم. تمام.. من النهارضة، أنا مش هدفع مليم واحد في البيت ده. المصاريف اللي كنت بشيلها معاك بالنص عشان أخفف عنك—مصاريف دراسة العيال، اشتراكات النادي، دروس الخصوصية، فواتير الكهربا والغاز والمية، وحتى السوبر ماركت اللي كنت بجيبه من الفيزا بتاعتي—كل ده من النهارضة مسؤوليتاك إنت وحدك، زي ما القانون والشريعة بيقولوا.. إنت الراجل والمسؤول عن البيت.” محمود وشه اتخطف، والدم هرب من عروقه: “إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ عارفة إجمالي المصاريف دي كام؟ ده مرتب المعمل كله مش هيقضي نصها!” مروة ابتسمت بثبات وقالت: “دي مش مشكلتي يا محمود. إنت قولت إن فلوسي لازم يكون للبيت وأمك نصيب فيها، وأنا بقولك فلوسي من النهاردة ملكي أنا وبس، ومحدش ليه مليم عندي. والفلوس اللي كنت بوفّرها بالاشتراك معاك، هتروح لحساب أبويا وأمك اللي يستاهلوا كل خير. وأه.. بالنسبة للشغالة اللي بتيجي تنظف، أنا دفعتلها حسابها لآخر الشهر ده، ومن الشهر الجاي لو تحب تجيب حد ينظف البيت على حسابك اتفضل، لأن أنا مش هعمل مجهود في بيت بيتقالي فيه إني حيزبونة أو ماليش خير.” في اللحظة دي، كانت فاطمة طالعة على السلم، وداخلة باب الشقة المفتوح، وسمعت آخر جملة. دخلت وهي بتصفق بإيديها بسخرية: “يا سلام! يا سلام يا ست مروة! بتلوي دراع ابن حاي عشان معاكي قرشين؟ فاكرة إن محمود هيشحت يعني ولا هيقف عاجز من غير فلوسك؟ ابننا راجل وسيد الرجالة ويسد عين الشمس!” مقالات ذات صلة حكايات اسما السيد 1 منذ يومين اتطلقت حكايات رومانى مكرم 2 منذ 3 أيام حكايات اسما السيد 2 منذ 3 أيام حكايات امانى السيد منذ 4 أيام مروة بصلت لـ فاطمة بنظرة هادية جداً، ونظرتها دي كانت أشد من أي شتيمة: “ربنا يخليهولك يا حاجة فاطمة، ويسد عين الشمس بفلوسه وعرقه. مادام هو سيد الرجالة ويسد، يبقى حضرتك أولى تسأليه هو يرجعلك حقك وبِرك، مش تبصي لقرشي وشقايا في الشركات. وبعدين يا حاجة.. أنا نسيت أقول لمحمود حاجة مهمة.” لفت مروة لـ محمود وقالت بثقة هزت الأوضة: “الشقة دي يا محمود.. بعقد الإيجار والتأمين، مكتوبة باسمي أنا، وأنا اللي دافعة المقدم بتاعها كاملاً من مكافأة شغلي قبل ما نتجوز، وتاريخ العقد يثبت ده. أنا سايبالك البيت والأوضة لحد آخر الشهر، تتصرف وتشوفلك مكان تروحه إنت ووالدتك، يا إما تدفعلي إيجار الشقة بالسعر السوقي الجديد.” محمود اتصدم، ورجليه مكنتش شايلاه. بص لأمه اللي بقها اتفتح من الصدمة وماعرفتش تنطق بكلمة واحدة. الجرأة والثبات اللي بتتكلم بيهم مروة كشفوا إنها مش بتصرخ ولا بتعمل دراما، دي بترتب كل خطوة بميزان ذهب. مروة مسكت شنطتها ومفاتيح عربيتها، وبصت في ساعتها وقالت: “أنا متأخرة على شغلي. العيال هينزلوا يروحوا المدرسة بالباص، والتأمين المالي المدرسين مدفوع لحد آخر السنة فمتقلقش عليهم. أشوفكم على خير بالليل.. ده لو لسه حابين تقعدوا في الشقة.” #الكاتب_رومانى__مكرم__ مشيت مروة، وصوت خطوات كعبها على السلم كان يرن بثقة، وسابت وراها الصالة فاضية ومحمود واقف قدام أمه. فاطمة كانت واقفة وشها أصفر زي الليمونة، وبتبص لمحمود المستوي اللي عينيه مليانة حسرة وذهول. محمود بص لأمه وقال بصوت مخنوق ومكسور: “عاجبك كده يا أمي؟ اديكي فتحتي عليا باب جهنم.. تصرف مصاريف البيت منين دلوقتي؟ والالتزامات اللي عليا أعمل فيها إيه؟ والشقة اللي باسمها دي هروح بيها فين؟” فاطمة بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تستجمع قوتها وقالت: “إنت هتضعف قدامها يا محمود؟ دي بتخوفك! سيبها تعمل اللي هي عايزاه، بكرة تجي تحت رجليك تبكي!” لكن محمود سابها ونزل على الكرسي وهو عارف كويس إن مروة مش من النوع اللي بيرجع، وأن الحرب دي مش مجرد كلام.. دي حرب تكسير عظام، واللي جاي فيها هيكون أقسى بكتير على الكل.