مراتي الأولى أماني السيد 2

صعدتُ إلى المنصة. استدارت فاطمة بنظرها بعيداً عني، وكأنها لا تطيق رؤية الوجه الذي خانها. نظرتُ إلى القاضي وقلتُ بصوتٍ جليّ هزّ القاعة:

* «سيادة القاضي.. كل الأوراق التي بين يديك صحيحةٌ من حيث الشكل، ولكنها باطلةٌ ومصنوعة من الإثم من حيث المضمون. أنا أقفُ أمامك اليوم لا لأدافع عن نفسي، بل لأعترف بجريمتي. أنا ادعيتُ الفقر والديون، وبكيتُ دموع الكذب أمام زوجتي الأولى وأم أولادي، وابتززتها عاطفياً وإنسانياً حتى تنازلت لي عن شقا عمرها وذهب والدتها رحمها الله، ظناً منها أنها تنقذني من السجن. ثم أخذت هذا الحق المغصوب وأهديته لهذه المرأة كمنحةٍ وجائزة».

ساد صمتٌ رهيب في القاعة. استطردتُ والدموع تخنقني:

* «أنا نطقتُ بالتدليس، ومارستُ الغش، وأقدمتُ على سلب أموال زوجتي. وأطلب من عدالة المحكمة إبطال التنازل الأول ومحو كل ما ترتب عليه من عقود تالية، وتثبيت الملكية الكاملة لصالح فاطمة.. ومستعدٌ لأي عقوبة جنائية تقرونها عليّ».

صرخ محامي جيهان محاولاً التشكيك في قواي العقلية، ووقفت جيهان تصيح في القاعة بأنني متفقٌ مع زوجتي الأولى لإلغاء حقها الشرعي. لكن القاضي رفع الجلسة للقرار، وتأجلت القضية للحكم مع إحالة الأوراق للنيابة العامة للتحقيق في واقعة النصب .

خرجتُ من قاعة المحكمة، ووجدتُ فاطمة تقف عند الباب. كانت المرة الأولى التي تتلاقى فيها أعيننا منذ ليلة الطرد.

تقدمتُ نحوها بخطواتٍ مكسورة، وهويتُ على ركبتي أمامها وأمام الناس جميعاً، وأ مسكت بطرف ثوبها وقلتُ وأنا أبكي بصوتٍ مسموع:

* «سامحيني يا فاطمة.. سامحيني يا أم عيالي. الشقة ستعود لكِ، وحقكِ سيرجع، حتى لو قضيتُ باقي عمري خلف الأسوار. فقط قولي أنكِ سامحتِني».

نظرتْ إليّ فاطمة من الأعلى. لم تكن في عينيها نظرةُ تشفٍّ ولا انتصار، بل كانت هناك حسرةٌ عميقة وشفقة. رفعت ابننا الصغير عن الأرض، وقالت بصوتٍ هادئ كأنه الهمس:

* «الشقة التي بُنيت بالدموع لا تعوض سنين العمر التي ضاعت يا محمود. الحقُّ سيرجع للأولاد لأن هذا حقهم، أما القلوب إذا انكسرت.. فلا تقيمها عقود المحاكم ولا دموع الندم».

تركتني ملقىً على الأرض ورحلت مع الأولاد.

مرّ شهران على تلك الجلسة، كانت التحقيقات تجري على قدم وساق. جيهان أدركت أن موقفها القانوني بات يتربص به الخطر، فبدأت تخطط لردٍّ انتقامي أشد قسوة. لم تكتفِ بالدفاع عن الشقة، بل استغلت التوكيل العام الذي كنتُ قد حررته لها في أيام غفلتي لنقل بعض الحسابات التجارية، وقامت بسحب كل السيولة المالية المتوفرة في حساباتي البنكية الخاصة بالشركة، وتركت الحسابات مكشوفة للموردين، مما جعلني مهدداً بالفعل بسجنٍ حقيقي وفعلي بسبب چکات دون رصيد!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *