مراتي الأولى أماني السيد 2

نظرَ إليّ ابني الكبير «أحمد»، ثم نظرَ لأمه. كان الطفلُ يرى أباه في أضعفِ حالاته، ورغم كلِ ما حدث، حنّ قلبه الصغير، فمسكَ بطرفِ ثوبي ودمعتْ عيناه.

أما فاطمة، فقد تنفستْ بصوتٍ طال، ورفعتْ رأسها للسماء، ثم نظرتْ في عيني مباشرةً وقالت:

* «البيتُ بيتكَ وبيتي يا محمود، وسأسمحُ لكَ بالعودةِ إليه لتعيشَ مع أولادك، لا بصفتك زوجاً يُتدلل، بل بصفتك أباً يحاولُ ترمیمَ ما كَسَره. لن أطردَك كما طردتَنا في ليلةِ العيد، ولن أجعلكَ تذوقُ قسوةَ السلمِ والشارع؛ لأن أخلاقي التي تربيتُ عليها تمنعني من ردِّ السيئةِ بمثلها».

واستطردتْ بصوتٍ يحملُ كبرياءً لا يُكسر:

* «لكن اعلم يا محمود.. أن الشقةَ التي بُنيتْ بعرقي ودهبي عادتْ باسمي ولأولادي ولن يمسّها مخلوق. وأنا سأعيشُ في غرفتي، وأنتَ في الغرفةِ الأخرى. سنكونُ تحتَ سقفٍ واحدٍ لأجلِ العيال، حتى تشعرَ كل يومٍ وكل ليلةٍ بحجمِ الخسارةِ التي تسببتَ فيها. ستأكلُ من يدي، وسأغسلُ ملابسك، لكن قلبَ فاطمة الذي بعتَه بالباطن.. لم يعدْ ملكك، ولن تملكه مجدداً إلا إذا استطعتَ أن تعيدَ سنينَ العمرِ والكرامةِ التي أُهريقتْ على درجِ البناية».

انحنيتُ برأسي خاضعاً وموافقاً، ورضيتُ بشرطها الصارم. كان بقائي بالقربِ منها، حتى لو كان كالغريبِ في بيته، هو أقصى ما أتمناه ونعمةً لا أستحقها.

عدنا جميعاً في ذاتِ الليلةِ إلى البنايةِ الكبيرة.

صعدنا السلالم.. ذات السلالمِ التي شهدتْ على صراخِ فاطمة وأطفالي في ليلةِ العيد. وقفتُ عند بسطةِ السلمِ وأنا أنظرُ إلى الأرض، وأتذكرُ شنطةَ الهدومِ التي رمتها جيهان، والضحكاتِ العاليةَ التي كانت تتصاعدُ من الداخل.

أخرجتْ فاطمة المفتاحَ الأصلي، وفتحت الباب.

دخلنا الصالة. كانت الشقةُ تعمُّها الكراكيبُ التي تركتها جيهان، ورائحةُ العطرِ الرخيصِ تملأُ المكان.

من دونِ أن تتكلم، رفعتْ فاطمة أكمامَ ثوبها، وأمسكتْ بمكنسةٍ ووسائلِ تنظيف، وبدأتْ تطهرُ البيتَ زاويةً زاوية. أسرعتُ إليها وأخذتُ منها الأدواتِ وقلتُ:

* «أقسمُ باللهِ لن تمسي شيئاً.. أنا من سينظفُ قذارةَ الأيامِ الماضية، وأنا من سيمسحُ أثرَ كلِ حجرٍ لمسته تلك المرأة».

جلستْ فاطمة على الأريكةِ تُراقبني والابتسامةُ الغائبةُ بدأتْ تلمحُ على وجهِ أولادي وهما يلعبان في غرفتهما القديمة. طوالَ الليل، كنتُ أُنظفُ وأغسلُ وأُعيدُ ترتيبَ الأثاثِ الذي اختارته فاطمة سابقاً، وكنتُ أشعرُ مع كلِ قطرةِ عرقٍ تسقطُ مني أنني أغسلُ جزءاً من إثمي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *