مراتي الأولى أماني السيد 2

في أحد الأيام، جاءني اتصالٌ من مصنعي التجاري. كانت الشرطة هناك لقَبضِ عليّ بسبب شيكاتٍ مرجعة طلبت جيهان صرفها لحساب شركات وهمية تابعة لأقاربها.

وصلتُ إلى المحكمة في الجلسة المحددة للنطق بالحكم في قضية الشقة، وأنا مكبلُ الأيدي في حراسة الشرطة بسبب قضية الشيكات.

جلس القاضي على المنصة، وحضر الجميع. كانت جيهان تقف في المواجهة تبتسم ابتسامة النصر، معتقدةً أنها حتى لو خسرت الشقة، فقد دمرت حياتي المالية وجعلتني أستقرُّ في السجن لسنواتٍ طويلة.

اعتلى القاضي المنصة، ونشَر حكمه التاريخي:

«حكمت المحكمة بإبطال عقد التنازل الصادر من المدعية الأولى بطلاناً مطلقاً لثبوت وقوعها تحت التدليس والإكراه المعنوي، وما يترتب على ذلك من بطلان كافة التصرفات العقارية التالية، وإعادة قيد الشقة باسم المدعية الأولى “فاطمة”، مع إحالة المدعى عليه الأول “محمود” إلى النيابة العامة لاستكمال التحقيقات ».

صرخت جيهان من الغيظ، بينما هبطت دموع فاطمة الصامتة وهي تصمُّ طفليها إلى صدرها.

الشرطة بدأت في تحريكي لنقلي إلى حجز التخشيبة بسبب الشيكات. وفي الممر الخارجي للسطح القضائي، اعترضت جيهان طريقي وقالت بشماتة:

* «مبروك عليها الطوب والأحجار، لكن أنت ستعفن في بقية حياتك بسبب الشيكات التي سحبتها.. لن تنفعك الخدامة ولا الأولاد!».

وقبل أن أرد عليها، تفرقت الزحمة وجاء صوتُ فاطمة وهي تتقدم بخطواتٍ ثابته، تحمل في يدها حقيبةً سوداء ثقيلة.

وقفت فاطمة أمام جيهان، ثم التفتت إلى ضابط الشرطة وقالت:
* «حضرة الضابط.. هذه مبالغ الشيكات بالكامل. أنا باعت البيت القديم الذي ورثته عن أبي في الصعيد، وجمعت كل ما أملك لنشري حرية أب أولادي وسداد ديونه.. محمود خطأ في حقي، لكنه يظل والد أبنائي، وأنا لا أسمح أن يدخل السجن بسبب مكر هذه المرأة».

صُدمت جيهان، وتسمرت أنا في مكاني، وتوقفت أقدام الحراس. كانت فاطمة تضحّي بآخر ما تملكه في الحياة لتُنقذ الرجل الذي طردها في ليلة العيد!

وقفتْ جيهان في منتصفِ ممرِ المحكمةِ كالمصدومة، تتطلعُ إلى الحقيبةِ السوداء في يدِ فاطمة، ثم إلى ضابطِ الشرطةِ الذي بدأ يفكُّ الأغلالَ من يديَّ بطلبٍ من النيابةِ بعد تقديمِ إيصالاتِ السدادِ الفوري.

لم أستطعْ أن أرفعَ عيني في عينِ فاطمة. كان خجلي منها أثقلَ من الحديدِ الذي كان يلتفُّ حولَ معصميّ. انحنيتُ على يديها أحاولُ تقبيلَها، لكنها سحبتْ يدها برفقٍ وثبات، وقالت بصوتٍ صارمٍ يقطرُ كبرياءً:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *