أم جوزي أماني السيد 4

أما أنا، فقد أخذتُ طفليّ وأمي في جولة لاختيار أثاث شقتنا الجديدة، أعيش بينهم برأس مرفوعة، وأعلم أن صفحة الظلم قد طُوّيت إلى الأبد، وأن الفصل القادم سيكتمل بالاستقرار الكامل والنجاح الممتد، بعيداً عن أشباح الماضي الجاحد.

انقضت الأيام والتهمت معها ما تبقى من أوهام أحمد، ليجد نفسه غارقاً في بحرٍ متلاطم من العوز والضياع. الغرفة الصغيرة المغبرة التي استأجرها في أطراف الحي الشعبي، أصبحت سجنه الفعلي قبل أن تنفذ فيه أحكام الحبس. لم يكن فيها سوى فراش متهالك على الأرض، وإبريق ماء، وصوت ذكريات قاسية يتردد في أركانها ليلاً ونهاراً.

الرجل الذي كان يقرف من أكل يدي ومن رائحة المنظفات، أصبحت يداه تخلوان حتى من ثمن الرغيف الحاف. كان يخرج في ساعات الفجر الأولى يبحث عن أي عمل يومي شاق في الأسواق أو ورش البناء، يعمل حمالاً أو ينظف المحلات التجارية مقابل مبالغ زهيدة لا تكاد تسد رمقه وتدفع إيجار غرفته المظلمة. كانت نوبات السعال والإرهاق تنهك جسده النحيل، وكلما مرّ أمام شاشة تلفاز في مقهى شعبي ورأى إعلاناً عن قاعة أفراح أو زفاف فخم، كانت تعصره غصة قاتلة، ويتذكر بدلته الفاخرة وابتسامته العريضة التي بناها على حطام صحتي وقوت أطفالي.

في هذه الأثناء، كان قطار حياتي يواصل مسيره بثقة وثبات في الاتجاه المعاكس تماماً.

تسلمتُ مفاتيح شقتي الجديدة، شقة واسعة تشرق فيها الشمس من كل جانب، اخترتُ أثاثها المودرن الراقي بنفسي، ووضعت في كل ركن منها لمسة من الذوق والدفء. لم تكن مجرد جدران، بل كانت رمزاً لانتصاري وكرامتي التي استرددتها من بين أنياب الظلم. أطفالي كبروا وأصبحوا يشاركوني ترتيب الغرف وزراعة الورود في الشرفة، ووالدتي تجلس بيننا تدعو لي بالرضا والبركة، بعد أن غسلت دموع الماضي ونست أيام القهر.

في عملي بالمركز الطبي، حققت نجاحات متتالية، وأصبحتُ أُدعى للمشاركة في تنظيم المؤتمرات الطبية، وزاد احترامي وتقديري بين زملائي وإدارة المكان. أصبحتُ امرأة متصالحة مع نفسها، أقوى من كل المحن، وأكثر إيماناً بأن العدل الإلهي قد يمهل ولكنه لا يهمل أبداً.

في أحد أيام الخريف، تلقت المحكمة البلاغ النهائي لتنفيذ أحكام الحبس الصادرة ضد أحمد في القضايا المتبقية التي لم يستطع سدادها بعد بيع الشقة والسيارة. ألقت الشرطة القبض عليه في إحدى الورش التي كان يعمل بها، واُقتيد مكبلاً بالحديد ليمضي عقوبة الحبس في السجن المركزي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *