أم جوزي أماني السيد 4

مرت السنوات تباعاً، واكتملت الدائرة كأروع ما تكون العدالة الإلهية.

تفرغتُ تماماً لعملي ولأطفالي؛ ترقيتُ في المركز الطبي حتى أصبحتُ مديرةً تنفيذيةً لفرع كامل، وأصبح اسمي يتردد باحترام في الوسط الطبي لمهنيتي وأمانتي. ابني الأكبر التحق بكلية الهندسة متفوقاً، وابنتي الصغرى أصبحت من الأوائل في مدرستها، تملأ البيت عزفاً وضحكاً وأملاً. أما شقتنا الجديدة، فقد أصبحت ملتقى للحبيبة والأهل، عامرة بالخير والنظافة والعود، يزورها الجميع وهم يشعرون بالهيبة والاحترام لهذه المرأة التي قامت من وسط الرماد واعتلت قمة النجاح بجهدها وعرقها.

أما أحمد، فقد قضى سنوات عقوبته في السجن، ليعيش كل يوم منها مراراً وتكراراً في ظلمة الندم التي تأكل جسده ونفسه. كان يشاهد أركان زنزانته الضيقة، ويتذكر كيف فضّل الزيف والبهارج الكاذبة على من صانت بيته وحفظت كرامته. وعندما انقضت فترة محبسه وخرج إلى الدنيا، وجد نفسه شخصاً غريباً، بلا ماضٍ يُفخر به، ولا حاضر يستند إليه، ولا مستقبل ينتظره.

خرج بجسد واهن أذهبه المرض، ووجه تشوهت ملامحه بعلامات الذل والانكسار. حاول البحث عن أهله؛ فكانت الصدمة الأشد قسوة. إخوته الذين باعوني واشترى نصيبهم كاش بدم قوت عياله، تنازعوا على الأموال التي أخذوها منه وانقطعت علاقتهم ببعضهم البعض، ورفضوا حتى أن يفتحوا له أبواب بيوتهم أو يمنحوه لقمة عيش واحدة، قائلين له ببرود: “أنت انسان رد سوابق ومطرود من شغلك، بلاش تبوظ سمعة عيالنا.”

عاش أحمد ما تبقى من عمره يتنقل بين الأعمال الشاقة والبسيطة في الأسواق الشعبية؛ يحمل البضائع على ظهره الهزيل، نفس الظهر الذي كان يحمل عليه عروسه الجديدة في الفيديوهات ويدللـها أمام أمواج البحر. أصبح ينام في غرفة خشبية على سطح أحد المباني القديمة، يقتات على ملاليم لا تكفي لشراء دوائه، ويرى كل يوم من بعيد صور نجاح أطفاله وتفوقهم في الصحف والمجلات، دون أن يجرؤ حتى على الرفرفة بأجنحته نحوهم أو ادعاء الأبوة لمن حرمهم وأهان أمهم.

في ليلة من ليالي الشتاء، وبينما كنتُ أجلس في صالتنا الدافئة، وسط أطفالي وأمي، احتضنتُ ابني وبنتي ونظرتُ في عينيهما، وشعرتُ بأن الحكاية قد كُتبت أخيرها بأزهى الألوان. لم أعد أحمل في قلبي أي ذرة غضب أو كراهية لأحد؛ فالانتقام الحق ليس بالصراخ ولا بالرد المماثل، بل بالنجاح، والاستغناء، وترك الظالمين لعدالة السماء التي لا تُخطئ أبداً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *