أم جوزي أماني السيد 4

أومأ رأسه بكسرة وقال: “أنا همضي على كل حاجة.. همضي على الطلاق، وعلى تنازل كامل عن أي حق، وعلى كل شروطك.. بس طلبتك طلب واحد يا حكمت.. خلّي عيالي يسامحوني، قوليلهم أبكم اتعاقب في الدنيا أشد عقاب، وبقى عايش بين أربع حيطان لا حيلة له ولا قوة.”

رددتُ عليه بكلمات جافة أوقفت دموعه في عينيه: “عيالك بيتعلموا دلوقتي يعيشوا مرفوعين الرأس، بيتعلموا إن الظلم ملوش رجلين، وإن اللي يبيع أهله عشان شهوته وكبرياءه بيموت لوحده في الضلمة. هما مش محتاجين يشوفوك بالحال ده، هما محتاجين يعرفوا إن ربنا أخد لهم حقهم تالت ومتنزل.”

مرر المحامي الأوراق من أسفل الفتحة الزجاجية، فأمسك أحمد القلم بآيادٍ ترجف، ووقع على كافة وثائق الطلاق والتنازلات دون أن يقرأ كلمة واحدة، وكأنه يوقع على إعدام كبرياءه القديم بنفسه.

عندما انتهى من التوقيع، أخذتُ الأوراق ووضعتها في حقيبتي. وقفتُ واستعدرتُ للمغادرة.

صرخ في الهاتف يترجاني: “حكمت! استني.. بلاش تمشي كده.. قوليلي كلمة واحدة أعيش بيها في السجن!”

التفتُّ إليه التفاتة أخيرة، ونظرتُ إليه بعيون خالية تماماً من الكره أو العاطفة، وقلتُ له: “الكلمة الوحيدة اللي عندي يا أحمد… إن العدل أخد مجراه، وإن الخدمة اللي كنت بتستعر منها، هي اللي فضلت ناصعة، والخيانة اللي رقصت ليها، هي اللي رمتك في السجن.”

وضعتُ السماعة مكانها، ولم أنظر خلفي ثانية. خرجتُ من أبواب السجن الثقيلة، لأستقبل نسيم الهواء النقي والشمس المشرقة، وأنا أشعر بأن روحس قد تحررت بالكامل من غلال الماضي.

تركته خلفي يواجه ظلمة محبسه وديونه وندمه الأبدي، وعُدتُ إلى شقتي الجديدة، إلى أطفالي وأمي، لأستعد لكتابة الفصل الأخير والنهائي من حياتي، فصل الاستقرار، والرفعة، والانتصار التام.

خرجتُ من أبواب السجن الحديدية وأنا أستنشق الهواء بملء رئتيّ، وكأنني أتذوق طعم الحياة لأول مرة منذ سنوات. كان نسيم الربيع يلفني برقة، والشمس الغاربة تطرز السماء بألوان الأمل والسكينة. لم تكن خطوتي هشة كما كانت في الماضي، بل كانت خطوات امرأة صلبة صاغتها أوجاع الخيانة، فصنعت منها درعاً من العزة والكرامة لا يمكن لشيء في هذا العالم أن يكسره.

عدتُ إلى بيتي الجديد، حيث كانت الأضواء الدافئة تنبعث من شرفتنا الواسعة. بمجرد أن فتحتُ الباب، ركض إليّ أطفالي بأحضانهم الدافئة، واستقبلتني أمي بابتسامتها العريضة ودعواتها النيرة التي كانت الحصن والعماد لي في أوقات شدتي. جلستُ بينهم، وأنا أنظر إلى وجوههم المشرقة الخالية من أي أثر للحرمان، وداخل صدري يقينٌ عميق بأن كل ليلة قهر عشتها، وكل دمعة حبستها وأنا أغسل قرف العائلة الجاحدة، كانت تُسجَّل في ميزان عدلٍ لا يغفل ولا ينام.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *