بعد أول أسبوع جواز أماني السيد 3

أم مراته سجدت على الأرض في نص الممر تحمد ربنا، ومراته اترمت في حضني وهي بتبكي بحرقة وشهقات فرحة هزت جسمها كله: «الحمد لله يا طنط.. الحمد لله ربنا استجاب لدعاكي ورجعهولنا بالسلامة!».
ضميتها لصدري بدموع حامية، وبكيت معاها بكاء طالع من أعمق مكان في قلبي. حماها قرب مني ونزل رسه في الأرض متأثر، وقال بنبرة دافية وخالية تماماً من أي ضغينة: «حمد الله على سلامته يا أم هاني.. ربنا ما يحرمكمش منه، ولا يحرم ابنكم الصغير من أبوه».
بعد أربع ساعات، نقلوا هاني لغرفة عادية. دخلت مراته الأول تطمن عليه، وأنا فضلت واقفة برة في الممر، خايفة أدخل، خايفة رؤيتي تضايقه أو ترفع ضغطه وهو لسه طالع من العناية. كنت ببص عليه من الشباك الصغير بتاع الباب وهو نايم، إيده ملفوفة بالشاش ورجله متعلقة في الجبس، وشه شاحب بس فيه روح ونبض.
بعد شوية، خرجت مراته وبصت لي بابتسامة مليانة رجاء وقالت: «ادخلي له يا طنط.. هو صحي وأول حاجة سأل عليها لما شافني هي أنتِ.. قالي هو سمع صوتك بتدعي له برة العناية ولا ده كان حلم؟».
رجلي كانت بتترعش وأنا بفتح الباب. دخلت بخطوات خايفة ومترددة، الريحة في الأوضة كانت ريحة مطهرات ومستشفيات، بس وجوده كان مالي المكان. أول ما قربت من سريره، هاني فتح عينيه ببطء شديد. التقت عينيا بعينيه، ولأول مرة من سنتين، ما شفتش في عينيه لا القسوة ولا البعد.. شفت نظرة ابن مكسور ومحتاج لأمه.
هاني اتنفس بصعوبة، وحرك صوابعه بالراحة ورد إيدي بالمسكة، قالي بصوت خافت ومبحوح جداً: «بعيد الشر عنك يا أمي.. ادعيلي بس.. دعواتك هي اللي جابتني من الموت».
قلت له وأنا بنتحب: «سامحني يا بني.. سامحني على كل وجع سببتهولك، على كل ليلة بات فيها قلبك مقهور، وعلى كل كلمة قالتها الجيران بسبب غباوتي. والله العظيم لو عايزني أختفي من الدنيا كلها وما تشوفش وشي تاني هعمل كده، بس تفضل بخير وتعيش وسط مراتك وابنك!».
هاني غمض عينيه لحظة، ودمعة دافية نزلت من طرف عينه على المخدة، وقال بنبرة تقطع القلب: «أنا اللي آسف يا أمي.. أنا قسيت عليكي وقطعت بيكي وعشتك في ظلمة لوحدك.. الحادثة دي لما شفت فيها الموت بيمر من جنبي، ما افتكرتش غيرك.. افتكرت دعواتك ليا وأنا صغير، وعرفت إن العمر لحظة وأقصر من إننا نعيشه في جفاء وزعل».





