بعد أول أسبوع جواز أماني السيد 3

بعد أسبوعين، لما قدرت أقف على رجلي بالعافية، أخدت قرار مجنون. استجمعت قواي، ولبست أحسن هدوم عندي، ونزلت محطة الاتوبيسات، وركبت السفر للمحافظة اللي ساكنين فيها. ما كنتش عارفة عنوانهم بالضبط، بس كان معايا اسم الشارع والحي اللي حما ابني أجر فيه الشقة، من ورقة قديمة شفتها بالصدفة في حاجة ابني قبل ما يسافر.

وصلت المدينة الغريبة عليا بعد ساعتين وكسر. الشوارع واسعة وناسينها ما يعرفونيش، بس أنا كنت بفيض بالخوف والتردد. فضلت ألف وأسأل في الحي لحد ما دلني واحد على العمارة اللي ساكن فيها “الاستاذ” حما ابني وابنه.

وقفت تحت العمارة، الشقة كانت في الدور الثالث، والنور كان قايد، وصوت ضحك خفيف طالع من البلكونة. كان صوت ابني.. صوت ضحكته اللي انحرمت منها من سنة كاملة. عينيا اتملت دموع، وقفت ورا شجرة ف الميدان القدام العمارة، وبصيت فوق.

وفجأة، خرجت مراته للبلكونة وهي شايلة البيبي على كتفها وبتطبطب عليه، وابني خرج وراها وحط إيده على كتفها ومسك إيد الولد الصغير وبيقبهلا. كانوا عايشين في هدوء وسلام، شكلهم كان مرتاح ومبسوط، وكأن الكابوس اللي كان في عمارتنا اتمسح من حياتهم نهائياً.

وقف قلبي، وحسيت إني غريبة، إني العاصفة اللي لو قربت من الشجرة دي هتكسر أغصانها تاني. رفعت إيدي من بعيد، وبصيت على حفيد اللي عمري ما مسكته في حضني ولا شميت ريحته. كنت هتقدم وأطلع السلم، بس افتكرت كلام ابني: «لو ظهرتِ، كل حاجة هتتهد للمرة الأخيرة».

في اللحظة دي، ابني وهو واقف في البلكونة، عينيه جات بالصدفة ناحية الشجرة اللي أنا واقفة وراها. اتسمر في مكانه، والضحكة اختفت من على وشه في ثانية. نزل إيده من على كتف مراته، وبصلي بذهول وصدمة، وشه اتغير ولونه اصفر زي يوم ما دخلت عليه بعلبة اختبار الحمل.

بصيت للمظروف الأبيض اللي في إيدي كأني ماسكة حتة من قلبي، ورفعت عيني لابني المجهد اللي كان واقف مستني مني الوعد. دموعي كانت بتنزل بسكوت، ومن غير ما أنطق بكلمة، هزيت راسي.. هزيتها بوجع وكسرة، وأخدت المظروف وضمنته لصدري.

ابني اتنفس بصوت عالٍ كأن هم تقيل انشال من فوق صدره، طبطب على كتافي طبطبة خفيفة وقال بصوت دافي بس مليان وداع: «ربنا يخليكي ليا يا أمي.. وما يحرمكيش من الصحة». لف ضهره ونزل السلم بخطوات سرعة، ومستناش أقول أي حاجة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *