بنتي اتطلقت حكايات زهرة ٢

وقف الضابط في وسط الأوضة والكباشات في إيده، وطليقها واقف وراه وعينه حمرة زايغة من الغل، بيشاور عليا بصابعه ويصرخ: “هي دي يا باشا! المجنونة دي اقتحمت بيتي وضايقت أختي وخطفت الولد، وأنا مش هسيب حقي للقانون!” أمه كانت واقفة جنبه بتهلل وتصوت: “الولد ابننا والمجنونة دي سرقته، دي لازم تتعفن في السجن!”
الممرضات اتخضوا والدكاترة اتجمعوا في الأوضة، وبنتي أول ما شافت منظره وسمعت صوته، مسكت في الولد بأيديها الاتنين ودموعها نزلت زي المطر، وصصرخت بصوت مبحوح ومرعوب: “لا! أرجوك يا باشا، ده ابني! ده حتة مني، أمي ما سرقتش حد، أمي رجعتلي روحي!”
قرب الظابط مني وأنا واقفة في مكاني زي الجبل، ما اتهزتش ولا خفت. الندم اللي أكل في عظمي والأيام السودة اللي شفتها خلتني ما أخافش من السجن ولا من أي بشر. رفعت إيدي للظابط وقولتله بصوت ثابث ودموعي على خدي: “اكلبش يا باشا.. اكلبش واعمل اللي تعمله، أنا فعلاً دخلت أخدت الولد، بس ما سرقتوش.. أنا جبت الولد لأمه اللي كانت بتموت في العناية بسبب قسوة بني آدمين ما عندهمش رحمة.”
الظابط بص للولد اللي مكلبش في رقبة أمه ونازل بكاء، وبص لبنتي اللي الوش بتاعها زايغ وجسمها كله بيترعش من الخوف والمحاليل مربوطة في إيدها. الظابط كان راجل كبير في السن، وعينه فيها حكمة ونظر للحالة كلها بفطرة. بص لطليقها وقال له بصوت ناشف: “استنى عندك يا أستاذ.. الولد مع أمه في المستشفى، وأم الولد في حالة صحية حرج وما ينفعش الولد يتحرك من هنا دلوقتي. وحضرتك جشعت وعامل بلاغ محضر خطف، تعالى معانا على القسم عشان نعمل المحضر ونستمع للطرفين.”
طليقها صرخ بغضب: “يعني إيه يا باشا؟! ده ابني وأنا اللي معايا الحق والمحاكم!”
رد عليه الظابط بنفس النبرة الحازمة: “لما المحكمة تحكم لك بحضانة ابقى تعالي اتكلم، إنما الولد حالياً في حجر أمه، وحضرتك مش هتستقوى بالقانون على واحدة في العناية المركزة.”
أخدوني على قسم الشرطة، وطليقها وأمه جايين ورايا يتوعّدوا ويهددوا. دخلت التخشيبة، وقعدت على البلاط البارد، بس المرة دي ما كنتش مكسورة.. كنت حاسة بنار هادية جوه صدري، كنت مطمنة إن بنتي فتحت عينها، وإن الولد في حضنها حتى لو كان لعدة ساعات.
في التخشيبة، اتعرفت على محامي شاب كان جاي يزور موكل ليه، حكيت له القصة من أولها؛ من يوم ما طردها وقالي “أنا أخري معاكم المؤخر”، لحد ما بنتي قطعت شرايينها، ولحد ما دخلت بيتهم وأخدت الولد. المحامي بصللي بصدمة وشفقة، وقال لي: “يا حاجّة، اللي عملتيه قانوناً يعتبر دخول مسكن بغير إذن واعتداء، بس وضع بنتك وطردها وحرمانه ليها من ابنها في الظروف دي، ومحاولة انتحارها، دي كروت قوة في أيدينا قدام النيابة. أنا همسك القضية دي لوجه الله، ومش عايز منك ولا مليم.”




