وقفت قدام بابهم المقفول والدموع مغرغرة في عيني، بس المرة دي الدموع مكنتش دموع ضعف ولا انكسار.. كانت دموع غل ونار موقدة في صدري. مسحت دموعي بفرض شالي، وبصيت للباب المقفول وقسماً بعزة الله لو كان بيني وبين أخد الولد الموت لأخوضه. عقلية الأم اللي خافت من مصاريف اللقمة اتدمرت، وحلت محلها عقلية وحش جريح مستعد يهد الدنيا عشان يرقع الخرق اللي عمله في قلب بنته. رجعت المستشفى وبقيت أدخل لأوضة بنتي كل شوية. كانت قاعدة على السرير زي التمثال، عينيها مبصمة في نقطة واحدة على الحيطة، وشفايفها الناشفة المفتحة بتتحرك بالهمس: “محمد.. هاتوا محمد.” الدكتور بص لي ويهز رأسه بأسى: “النباتات العصبي بيضعف، ولو الحالة دي استمرت 48 ساعة كمان، هتدخل في غيبوبة كاملة وممكن نفقدها.” الكلمة دي كانت الشرارة اللي ولعت فيا خلاص.. مفيش وقت للخوف ولا للقانون ولا لأي حسابات. خرجت من المستشفى وطلعت على منطقة طليقها، بس المرة دي ما روحتش أخبط على الباب زي المرة اللي فاتت. قعدت على مصطبة دكان قديم في أول الشارع، متخفية بطرحتي العريضة، وبقيت أراقب البيت كأني حية مستنية فريستها. عرفت مواعيدهم كلها؛ الندل طليقها بينزل شغله الساعة تسعة الصبح، وأمه بتنزل العصر تشتري طلبات البيت وتتندمج في الرغي مع جاراتها، والولد بيفضل جوه مع اخت طليقها الشابة اللي مابتصدق أمه تنزل عشان تمسك تلفونها وتسرح فيه. استنيت لليوم الثاني، وجت اللحظة الحاسمة. الساعة أربعة العصر، شفت أمه نازلة وفي إيدها الشنطة، ومشت في الشارع. بعد خمس دقائق بالظبط، اتسحبت وطلعت السلم ببطء شديد وأنا قلبي بيلطش في قفصي الصدري زي الطبلة. أيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة زجاجة مية نار صغيرة كنت شاريها من موالي الحارة وجايباها في جيبي، حطاها للأمان لو حد فكر يقف في وشي أو يمنعني من أخد ضنا بنتي. وصلت عند الباب، ولقيت الباب متوارب سنة بسيطة لأن أمه سابته كده وهي نازلة تجيب حاجة من الدكان اللي تحت. فتحت الباب ببطء ودخلت على أطراف صوابعي. الشقة كانت هادية، وصوت التلفزيون العالي طالع من أوضة النوم. اتسحبت في الصالة ولقيت الولد قاعد على بلاط الصالة لوحده، في إيده لعبة مكسورة، وشكله يقطع القلب؛ هدومه وسخة، وعينيه حمرة ومتنفخة من كثر العياط. أول ما الولد شافني، فتح عينيه على وسعها وكانت الشفايف الصغيرة هتتفتح عشان يصرخ، جريت عليه في ثواني وحطيت إيدي على بؤه بفرط الرعب والحرص، ووشوشته في أذنه وأنا ببكي: “اششش.. أنا تيتة يا محمد.. جاي أخدك لأمك! أوعى تطلع صوت يا حبيبي.. أمك بتموت وعايزاك!” الولد أول ما سمع كلمة “أمك”، هدئ في إيدي ومسك في رقبتي بكل قوته ودفن وشه في كتفي وهو بيعيط بصوت مكتوم. شيلته بين إيديا كأني شايلة روحي، ولفت ضهري عشان أطلع بسرعة بره الشقة. بس قبل ما أوصل للباب.. اتفتحت أوضة النوم وخرجت أخت طليقها وهي ماسكة التلفون في إيدها! أول ما شفتني وشايلة الولد، عينها اتسعت وصرخت بأعلى صوتها: “الحقووووني! الولية المجنونة بتسرق الولد!” نزلت للشارع وسمعت أخت طليقها بتصرخ من البلكونة: “امسكوا الولية!! بتسرق الولد!” الناس في الشارع بدأت تتلفت وتتجمع، وشابين من المنطقة بدأوا يجروا ورايا. بقيت أدخل في الشوارع الضيقة والمداخل وأنا شايلة الولد اللي بيبكي، وركبي بتخبط في بعضها من التعب والخوف. استخبيت ورا مدخل بيت قديم ومقفل بالخرابة، وحطيت إيدي على بؤ الولد وأنا بنهت بصوت طالع بالعافية وميتة من الرعب، والناس بتجري في الشارع الرئيسي بيدوروا عليا. قعدنا مستخبيين في الضلمة والتراب يجي نص ساعة، والولد مكلبش فيا وبيترعش. لما الجو هدي خالص، طلعت المتخفية وركبت توكتوك بعيد عن المنطقة كلياً، وطلعت بيه على المستشفى العام رأساً. وصلت للمستشفى وأنا رجليا مش شايلاني، دخلت المبنى ووصلت لأوضة بنتي. الدكاترة والممرضات أول ما شافوني شايلة الولد وغرقانة في العرق والتراب اتصدموا. جريت على سرير بنتي، وقربت الولد منها وناديتاها بصوت بيترعش ونازل منه الدموع: “بنتي.. يا حبيبتي.. انظري مين معايا! جبتلك محمد.. جبتلك ضناكي والله جبتوهولك يا بنتي فتحي عينيكي!” الولد أول ما شاف أمه نايمة والأجهزة حواليها، افلت من إيدي ورمى نفسه على صدرها وبدأ يبكي ويصرخ بصوت يهز الجبال: “ماما! صحي يا ماما.. أنا محمد! تعالي نمشي يا ماما!” في اللحظة دي.. حصلت المعجزة اللي أطباء المستشفى كلهم وقفوا يشهدوا عليها. صوابع بنتي الباردة بدأت تتحرك ببطء.. جفن عينها بدأ يرتعش، وبدأت تفتح عينيها ببطء شديد. لما وقعت عينها على وش ابنها اللي نازل دموعه على خدها، خط النبض في الجهاز بدأ يتسارع، وصدرها بدأ يعلى وينزل بنفس قوى. رفعت إيدها المربوطة بالشاش بالعافية وحطتها على رأس ابنها، وجمعت روحها وقالت بصوت ضعيف جداً ومبحوح: “مـ… محمد؟ حبيبي؟” حضنت الولد بكل قوتها وبدأت تبكي، والذاكرة بدأت ترجع لها تدريجياً مع دقات قلب ابنها في صدرها. الدكاترة دخلوا يتفحصوها وهم مش مصدقين إن الحالة الذهولية انفكّت بالسرعة دي. كنت واقفة في زاوية الأوضة وببكي بنحيب، حاسة إن ربنا أداني فرصة ثانية أتنفس فيها. بس الفرحة دي ما كملتش حتى نص ساعة.. فجأة، الباب اتفتح بقوة، ودخلت الشرطة ومعاهم طليقها وأمه، والضابط بيمسك كلبشات في إيده وبص لي وقال بصوت جاف وحاسم: “هي دي الولية اللي اختطفت الطفل واعتدت على ناس في بيتهم.. هاتوها!” وقف الضابط في وسط الأوضة والكباشات في إيده، وطليقها واقف وراه وعينه حمرة زايغة من الغل، بيشاور عليا بصابعه ويصرخ: “هي دي يا باشا! المجنونة دي اقتحمت بيتي وضايقت أختي وخطفت الولد، وأنا مش هسيب حقي للقانون!” أمه كانت واقفة جنبه بتهلل وتصوت: “الولد ابننا والمجنونة دي سرقته، دي لازم تتعفن في السجن!” الممرضات اتخضوا والدكاترة اتجمعوا في الأوضة، وبنتي أول ما شافت منظره وسمعت صوته، مسكت في الولد بأيديها الاتنين ودموعها نزلت زي المطر، وصصرخت بصوت مبحوح ومرعوب: “لا! أرجوك يا باشا، ده ابني! ده حتة مني، أمي ما سرقتش حد، أمي رجعتلي روحي!” قرب الظابط مني وأنا واقفة في مكاني زي الجبل، ما اتهزتش ولا خفت. الندم اللي أكل في عظمي والأيام السودة اللي شفتها خلتني ما أخافش من السجن ولا من أي بشر. رفعت إيدي للظابط وقولتله بصوت ثابث ودموعي على خدي: “اكلبش يا باشا.. اكلبش واعمل اللي تعمله، أنا فعلاً دخلت أخدت الولد، بس ما سرقتوش.. أنا جبت الولد لأمه اللي كانت بتموت في العناية بسبب قسوة بني آدمين ما عندهمش رحمة.” الظابط بص للولد اللي مكلبش في رقبة أمه ونازل بكاء، وبص لبنتي اللي الوش بتاعها زايغ وجسمها كله بيترعش من الخوف والمحاليل مربوطة في إيدها. الظابط كان راجل كبير في السن، وعينه فيها حكمة ونظر للحالة كلها بفطرة. بص لطليقها وقال له بصوت ناشف: “استنى عندك يا أستاذ.. الولد مع أمه في المستشفى، وأم الولد في حالة صحية حرج وما ينفعش الولد يتحرك من هنا دلوقتي. وحضرتك جشعت وعامل بلاغ محضر خطف، تعالى معانا على القسم عشان نعمل المحضر ونستمع للطرفين.” طليقها صرخ بغضب: “يعني إيه يا باشا؟! ده ابني وأنا اللي معايا الحق والمحاكم!” رد عليه الظابط بنفس النبرة الحازمة: “لما المحكمة تحكم لك بحضانة ابقى تعالي اتكلم، إنما الولد حالياً في حجر أمه، وحضرتك مش هتستقوى بالقانون على واحدة في العناية المركزة.” أخدوني على قسم الشرطة، وطليقها وأمه جايين ورايا يتوعّدوا ويهددوا. دخلت التخشيبة، وقعدت على البلاط البارد، بس المرة دي ما كنتش مكسورة.. كنت حاسة بنار هادية جوه صدري، كنت مطمنة إن بنتي فتحت عينها، وإن الولد في حضنها حتى لو كان لعدة ساعات. في التخشيبة، اتعرفت على محامي شاب كان جاي يزور موكل ليه، حكيت له القصة من أولها؛ من يوم ما طردها وقالي “أنا أخري معاكم المؤخر”، لحد ما بنتي قطعت شرايينها، ولحد ما دخلت بيتهم وأخدت الولد. المحامي بصللي بصدمة وشفقة، وقال لي: “يا حاجّة، اللي عملتيه قانوناً يعتبر دخول مسكن بغير إذن واعتداء، بس وضع بنتك وطردها وحرمانه ليها من ابنها في الظروف دي، ومحاولة انتحارها، دي كروت قوة في أيدينا قدام النيابة. أنا همسك القضية دي لوجه الله، ومش عايز منك ولا مليم.” تاني يوم الصبح، اتعرضنا على النيابة. وكيل النيابة كشف على المحضر، واستمع لأقوال طليقها اللي كان بيكذب ويقول إن إحنا رمينا الولد عليه وإن بنتي سابته عشان تتجوز. هنا المحامي بتاعي اتدخل، وطلع تقارير المستشفى العام، وتقرير حالة الانتحار، والتقرير الطبي لقطع الشرايين، وفقدان الذاكرة المؤقت، وأثبت إن البنت كانت بين الحياة والموت بسبب حرمانها من طفلها. المحامي وقف وقال قدام وكيل النيابة: “يا سيادة المستشار، المتهمة أم ومربّية، تصرفت بدافع الأمومة والإنقاذ العاجل لحياة ابنتها. والطفل في سن الحضانة الوجوبية طبقاً للقانون، وأبوه طرد الأم وحرمها منه بغير وجه حق. نطالب بإخلاء سبيل الجدة، وبإثبات حضانة الطفل للأم وتوفير حماية لها.” وكيل النيابة بص لي وسألني: “أنتي دخلتي البيت واعتديتي على أخت المجني عليه؟” رديت وأنا ببكي: “يا سيادة المستشار، أنا زقيتها عشان ألحق أخرج بالولد قبل ما يتلموا عليا، أنا ما ضربتش حد ولا سرقت حاجة، أنا أخدت حفيد ابن ٣ سنين من حجر ناس قاسية عشان ألحق أمه قبل ما تطلع روحها.” وكيل النيابة أمر بإخلاء سبيلي بكفالة مالية على ذمة القضية، وأمر بتسليم الطفل لأمه فوراً وتكليف المباحث بعدم التعرض للأم أو للطفل لحين البت في قضايا الحضانة والنفقة! خرجت من القسم وأنا مش مصدقة، المحامي جه معايا وطلعنا على المستشفى. دخلت الأوضة، لقيت بنتي قاعدة على السرير ومسندة ضهرها، والولد في حضنها بيلعب في شعرها. أول ما شافتني دخلت، عينها جت في عيني.. المرة دي، عينها مكنتش فاضية ولا ميتة.. عينها كانت مليانة دموع، بس دموع عتاب وحزن عميق. قربت منها ببطء، ونزلت تحت رجليها على بلاط الأوضة، ومسكت قدمها وبستها وأنا بنحب: “سامحيني يا بنتي.. والله العظيم كنت جاهلة وكنت خايفة من الفقر، بس ربنا يعلم إني فديتك بعمري وحريتي.. سامحيني يا ضنايا.” بنتي قعدت تبصلي بفرط الحزن، ونزلت إيدها المربوطة بالشاش وحطتها على كتافي، وقالت لي بصوت مبحوح طالع بالروح: “قومي يا أمي.. قومي، أنا مش زعلانة منك عشان الفقر.. أنا حزنت عشان استخصرتي فيا الأمان، وأنا ماليش في الدنيا غيرك.” مسكت إيدها وبستها ألف مرة، وقعدنا نعيط إحنا الاثنين والولد في حضننا. وفي اللحظات دي، الدكتور دخل وقال إن حالة بنتي استقرت ونقدر نخرجها على البيت، بس محتاجة راحة تامة وعناية نفسية. رجعت بيها البيت، الشقة اللي كانت شهدت على الكابوس والدم. بس قبل ما نتنفس الصعداء ونفكر هنعيش إزاي، اتفاجئنا باللي حصل.. طليقها مكنش سكت، وأمه غلها زاد بعد قرار النيابة. عرفنا إنه استغل وجود المحامي بتاعه وعمل خطة خبيثة ومسمومة؛ رفع قضية “إسقاط حضانة” فورية عن بنتي بتهمة إنها “غير أمينة على تربية الطفل لأنها حاولت الانتحار ومريضة نفسياً”، وجايب شهادات طبية مزورة وشهود زور من منطقته يهددوا إن البنت مجنونة وتشرك الطفل في خطورة! مش بس كده.. في نفس الليلة اللي رجعنا فيها، سمعنا خبط مرعب على باب الشقة في نص الليل، ولما فتحنا الباب، لقيت رسالة تهديد متسابة ومكتوب فيها بالدم: “الولد يا هيرجع بالذوق، يا إما المرة دي مش هقطع شرايينها.. المرة دي هتاخدوا !” الورقة الوقيعة اللي كانت مكتوبة بالدم ومترشوقة تحت الباب نزلت عليا زي الصاعقة. أيدي كانت بتترعش وأنا ماسكاها، والدموع جمدت في عيني من شدة الرعب. بنتي كانت واقفة ورايا ماسكة في دراعي، ولما شافت وشي أصفر زي الليمونة سألتني بصوت مرعوب: “في إيه يا أمي؟ مين اللي كان بيخبط؟ الورقة دي فيها إيه؟” خبّيت الورقة ورا ضهري فوراً وضغطت عليها بإيدي عشان أداريها، وابتسمت بالعافية وقولتلها بصوت بحاول أخليه طبيعي: “مفيش يا حبيبتي.. ده عيل سخيف من الشارع بيلاعبنا، ادخلي أنتي نامي ورتاحي عشان جرح إيدك، والولد نايم جوه زي الفل.” بنتي دخلت وهي مش مطمنة، عينها كانت بتتسحب في أركان الشقة كأنها حاسة إن الخطر حولين رقبتها. أما أنا فقفلت الباب بالترباس والترباسين، وحطيت وراه الكرسي الخشب التقيل، وقعدت في الصالة في الضلمة، مسكّنة الورقة في إيدي والنار بتاكل في صدري. تهديد بجثة محمد؟! الندل وطليقها وعيلته وصل بهم الفجر والغل لحد إنهم يهددوا بقتل طفل عنده ٣ سنين عشان بس يكسروا قلب أمه ويحرموها منه؟ أول ما الشمس طلعت، أخدت الورقة وتلفوني وطلعت جري على مكتب المحامي الشاب اللي وقف معانا لوجه الله. دخلت عليه المكتب وأنا بنهت والورقة في إيدي، رميتها على مكتبه وقولتله وأنا ببكي: “شوف يا أستاذ! شوف الفجر والندالة وصلوا لإيه! بيهددوني بقتل حفيظي لو ما رجعناهوش، غير قضية إسقاط الحضانة اللي رفعوها عشان قال إيه بنتي مجنونة وحاولت تنتحر!” المحامي مسك الورقة وقراها بتمعن، وش وشّه اتغير وملامحه بقيت جادة جداً. بص لي وقال: “يا حاجّة، التهديد ده خطير جداً، وطليقها كده بيلعب في منطقة مفيهاش رجعة. هو حاسس إن الحبل بيتلف حوالين رقبته وإن القانون هيديله على دماغه، فعايز يرهبكم عشان تتنازلوا عن كل حاجة. بالنسبة لقضية إسقاط الحضانة، محاولة الانتحار بسبب الضغط النفسي الشديد والتعسف مش دليل على عدم الأمانة، وإحنا هنثبت قدام المحكمة إن السبب الرئيسي في تدهور حالتها هو معاملتهم وقسوتهم واختطافهم للطفل.” كمل المحامي وقال: “الورقة دي هناخدها فوراً ونعمل بيها محضر عدم تعرض وتهديد بالقتل في النيابة، ونطلب تفريغ كاميرات الشارع عشان نعرف مين الندل اللي جه حطها تحت الباب. بس المهم دلوقتي.. بنتك والولد ما يقعدوش في الشقة دي لوحدهم ثانية واحدة! الناس دول مستعدين يعملوا أي حاجة.” رجعت البيت وأنا جوايا قرار حاسم. إحنا مش هنفضل مستنيين لما يجوا يذبحونا في شقتنا. جمعت هدوم بنتي ومحيطات الولد في شنطتين صغار، وقولت لبنتي بصوت حازم: “شيل ابنك يا بنتي.. إحنا هنقفل الشقة دي وهنمشي من المنطقة خالص لغاية ما القضية تخلص والشرطة تلم الأندال دول.” بنتي بصت لي بدهشة وقالت: “هنروح فين يا أمي؟ إحنا مالناش حد في الدنيا بعد ربنا وأبويا الله يرحمه! هنروح فين بالشنط دي في الشوارع؟” رديت عليها وأنا بدمع: “هنروح عند أخت أبوكي الله يرحمه في البلد.. عمتك راجية في الصعيد، ناس طيبين وفي حالهم وليهم بيت كبير وه يحمونا.. هناك محدش يقدر يوصل لضناكي ولا يلمس طرف هدومك.” وبالفعل، خرجنا اتسحاب من الشقة زي الحرامية في نص النهار، وأيدينا في إيدين بعض ومحمد في حضن أمه. ركبنا الميكروباص وطلعنا على محطة القطار، وأنا طول الطريق عيني على الشارع وورانا، خايفة يكون حد بيراقبنا أو ماشي ورا خطواتنا. وصلنا الصعيد بعد سفر هدّ حيلنا، وركبنا للقرية اللي فيها بيت عمتها. أول ما وصلنا والباب اتفتح، وعمتها شافتنا بالمنظر ده والكسرة في عيوننا والجرح اللي في إيد بنتي مربوط بالشاش، حطت إيدها على صدرها وصوتت: “يا مري! إيه اللي حصل لكم يا خية؟! مين عمل فيكم أكده؟!” حكيت لها كل حاجة.. حكيت لها من أول يوم طلاق، وقسوة جوزها، وقسوتي أنا عليها لما طلبت منها ترمي الولد، ولحد النزيف والنيابة والورقة المكتوبة بالدم. عمتها بكت واحتضنت بنتي ومحمد بكل قوتها وقالت بغضب يزلزل الأكان: “والله العظيم ولو كان عيلة كاملة تقف قدامنا، ما حد يلمس ولدكم طول ما فينا نفس يتردد! البيت بيتكم والولد في حمايتنا وحماية رجالة العيلة!” قعدنا في البلد والأيام بدأت تعدي هادية شوية، بنتي بدأت تسترد عافيتها، وجرح إيدها بدأ يلم، ومحمد بدأ يضحك ويلعب في حوش البيت الكبيرة مع عيال عمتها. لكن الهدوء ده كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.. بعد أسبوعين بالتمام، وأنا قاعدة في الحوش مع عمتها بنعمل الأكل، اتفتح باب البيت الخارجي بقوة، ودخل ولد صغير من عيال البلد وهو بنهت وبيصرخ: “الحقوا يا جماعة!! في عربيتين نزلوا عند أول البلد فيهم رجالة غريبة بسلاح وسلاسل وبيسألوا عن بيت الحاجة راجية وعايزين يهدوا البيت وياخدوا العيل!” الدم اتجمد في عروقنا كلياً.. الندل طليقها معرفش يوصل لنا بالقانون، فاستأجر بلطجية ورجالة بسلاح وجايين الصعيد ياخدوا الولد بالقوة والعافية!