بنتي اتطلقت حكايات زهرة ٢

وقفت قدام بابهم المقفول والدموع مغرغرة في عيني، بس المرة دي الدموع مكنتش دموع ضعف ولا انكسار.. كانت دموع غل ونار موقدة في صدري. مسحت دموعي بفرض شالي، وبصيت للباب المقفول وقسماً بعزة الله لو كان بيني وبين أخد الولد الموت لأخوضه. عقلية الأم اللي خافت من مصاريف اللقمة اتدمرت، وحلت محلها عقلية وحش جريح مستعد يهد الدنيا عشان يرقع الخرق اللي عمله في قلب بنته.
رجعت المستشفى وبقيت أدخل لأوضة بنتي كل شوية. كانت قاعدة على السرير زي التمثال، عينيها مبصمة في نقطة واحدة على الحيطة، وشفايفها الناشفة المفتحة بتتحرك بالهمس: “محمد.. هاتوا محمد.” الدكتور بص لي ويهز رأسه بأسى: “النباتات العصبي بيضعف، ولو الحالة دي استمرت 48 ساعة كمان، هتدخل في غيبوبة كاملة وممكن نفقدها.” الكلمة دي كانت الشرارة اللي ولعت فيا خلاص.. مفيش وقت للخوف ولا للقانون ولا لأي حسابات.
خرجت من المستشفى وطلعت على منطقة طليقها، بس المرة دي ما روحتش أخبط على الباب زي المرة اللي فاتت. قعدت على مصطبة دكان قديم في أول الشارع، متخفية بطرحتي العريضة، وبقيت أراقب البيت كأني حية مستنية فريستها. عرفت مواعيدهم كلها؛ الندل طليقها بينزل شغله الساعة تسعة الصبح، وأمه بتنزل العصر تشتري طلبات البيت وتتندمج في الرغي مع جاراتها، والولد بيفضل جوه مع اخت طليقها الشابة اللي مابتصدق أمه تنزل عشان تمسك تلفونها وتسرح فيه.
استنيت لليوم الثاني، وجت اللحظة الحاسمة. الساعة أربعة العصر، شفت أمه نازلة وفي إيدها الشنطة، ومشت في الشارع. بعد خمس دقائق بالظبط، اتسحبت وطلعت السلم ببطء شديد وأنا قلبي بيلطش في قفصي الصدري زي الطبلة. أيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة زجاجة مية نار صغيرة كنت شاريها من موالي الحارة وجايباها في جيبي، حطاها للأمان لو حد فكر يقف في وشي أو يمنعني من أخد ضنا بنتي.
وصلت عند الباب، ولقيت الباب متوارب سنة بسيطة لأن أمه سابته كده وهي نازلة تجيب حاجة من الدكان اللي تحت. فتحت الباب ببطء ودخلت على أطراف صوابعي. الشقة كانت هادية، وصوت التلفزيون العالي طالع من أوضة النوم. اتسحبت في الصالة ولقيت الولد قاعد على بلاط الصالة لوحده، في إيده لعبة مكسورة، وشكله يقطع القلب؛ هدومه وسخة، وعينيه حمرة ومتنفخة من كثر العياط.
أول ما الولد شافني، فتح عينيه على وسعها وكانت الشفايف الصغيرة هتتفتح عشان يصرخ، جريت عليه في ثواني وحطيت إيدي على بؤه بفرط الرعب والحرص، ووشوشته في أذنه وأنا ببكي: “اششش.. أنا تيتة يا محمد.. جاي أخدك لأمك! أوعى تطلع صوت يا حبيبي.. أمك بتموت وعايزاك!”
الولد أول ما سمع كلمة “أمك”، هدئ في إيدي ومسك في رقبتي بكل قوته ودفن وشه في كتفي وهو بيعيط بصوت مكتوم. شيلته بين إيديا كأني شايلة روحي، ولفت ضهري عشان أطلع بسرعة بره الشقة.
بس قبل ما أوصل للباب.. اتفتحت أوضة النوم وخرجت أخت طليقها وهي ماسكة التلفون في إيدها! أول ما شفتني وشايلة الولد، عينها اتسعت وصرخت بأعلى صوتها: “الحقووووني! الولية المجنونة بتسرق الولد!”
نزلت للشارع وسمعت أخت طليقها بتصرخ من البلكونة: “امسكوا الولية!! بتسرق الولد!”
الناس في الشارع بدأت تتلفت وتتجمع، وشابين من المنطقة بدأوا يجروا ورايا. بقيت أدخل في الشوارع الضيقة والمداخل وأنا شايلة الولد اللي بيبكي، وركبي بتخبط في بعضها من التعب والخوف. استخبيت ورا مدخل بيت قديم ومقفل بالخرابة، وحطيت إيدي على بؤ الولد وأنا بنهت بصوت طالع بالعافية وميتة من الرعب، والناس بتجري في الشارع الرئيسي بيدوروا عليا.
قعدنا مستخبيين في الضلمة والتراب يجي نص ساعة، والولد مكلبش فيا وبيترعش. لما الجو هدي خالص، طلعت المتخفية وركبت توكتوك بعيد عن المنطقة كلياً، وطلعت بيه على المستشفى العام رأساً.
وصلت للمستشفى وأنا رجليا مش شايلاني، دخلت المبنى ووصلت لأوضة بنتي. الدكاترة والممرضات أول ما شافوني شايلة الولد وغرقانة في العرق والتراب اتصدموا. جريت على سرير بنتي، وقربت الولد منها وناديتاها بصوت بيترعش ونازل منه الدموع: “بنتي.. يا حبيبتي.. انظري مين معايا! جبتلك محمد.. جبتلك ضناكي والله جبتوهولك يا بنتي فتحي عينيكي!”
الولد أول ما شاف أمه نايمة والأجهزة حواليها، افلت من إيدي ورمى نفسه على صدرها وبدأ يبكي ويصرخ بصوت يهز الجبال: “ماما! صحي يا ماما.. أنا محمد! تعالي نمشي يا ماما!”
في اللحظة دي.. حصلت المعجزة اللي أطباء المستشفى كلهم وقفوا يشهدوا عليها. صوابع بنتي الباردة بدأت تتحرك ببطء.. جفن عينها بدأ يرتعش، وبدأت تفتح عينيها ببطء شديد. لما وقعت عينها على وش ابنها اللي نازل دموعه على خدها، خط النبض في الجهاز بدأ يتسارع، وصدرها بدأ يعلى وينزل بنفس قوى.
رفعت إيدها المربوطة بالشاش بالعافية وحطتها على رأس ابنها، وجمعت روحها وقالت بصوت ضعيف جداً ومبحوح: “مـ… محمد؟ حبيبي؟”
حضنت الولد بكل قوتها وبدأت تبكي، والذاكرة بدأت ترجع لها تدريجياً مع دقات قلب ابنها في صدرها. الدكاترة دخلوا يتفحصوها وهم مش مصدقين إن الحالة الذهولية انفكّت بالسرعة دي.
كنت واقفة في زاوية الأوضة وببكي بنحيب، حاسة إن ربنا أداني فرصة ثانية أتنفس فيها. بس الفرحة دي ما كملتش حتى نص ساعة..
فجأة، الباب اتفتح بقوة، ودخلت الشرطة ومعاهم طليقها وأمه، والضابط بيمسك كلبشات في إيده وبص لي وقال بصوت جاف وحاسم: “هي دي الولية اللي اختطفت الطفل واعتدت على ناس في بيتهم.. هاتوها!”




