جالي ميراث حكايات رشا خالد ١

وقفت ببطء.

السكون حل في الصالون. حماتي ضيقت عينيها وقالت:

“على فين؟ العشا لسه ما نزلش!”

ابتسمت ابتسامة هادية جدًا، وبصيت لكريم في عينيه مباشرة. لأول مرة من ست سنين، أقدر أستحمل نظرة عينيه من غير ما أهز راسي أو أحس بالخوف من انتقاده.

قلت بصوت واضح ومسموع للكل:

“معلش يا طنط… أصل اليوم كان طويل شوية، وحاسة إن عندي مشوار مهم جدًا بكرة الصبح بدري، لازم أستعد له.”

كريم كشر وقال بضيق:

“مشوار إيه ده اللي يخليكي تقومي وتسيبينا والعيلة متجمعة؟ اقعدي يا ندى بلاش حركات الأطفال دي.”

قربت منه خطوة، وبصيت له وهو قاعد على الكنبة، ومالت دماغي بسيطة وقالت:

“مشوار ماليات يا كريم… لازم أراجع الأوراق مع المحامي بتاعي. أصل طلع الميراث محتاج إدارة واعية جدًا، وبصراحة… مش عاوزة أتقل عليك ولا أخد من وقتك الثمين.”

كريم بصلي باستغراب، كأن دي مش ندى اللي يعرفها. الاستكانة والخضوع اللي عودته عليهم اختفوا تمامًا. رد بحدة مكتومة:

“محامي إيه وكلام فارغ إيه؟ إنتي من إمتى ليكي محامين؟ لما نرجع البيت نبقى نتكلم.”

“نرجع البيت؟”

الكلمة طلعت مني بضحكة صغيرة ما قدرتش أمنعها.

حماتي ضربت بطرف معلقتها على الترابيزة وقالت بتذمر:

“إيه الطريقة دي يا ندى؟ كريم بيكلمك بأسلوب محترم، إيه الضحك اللي من غير سبب ده؟ هي الفلوس القليلة اللي هتجيلك دي طيرت عقلك؟”

بصيت لحماتي سعاد الشناوي… الست اللي قضت ست سنين بتمارس عليا ألوان التهميش، وتسفه من أهلي، وتفكرني كل يوم بإن ابنه “انتشلني” من الفقر.

قلت وأنا باخد شنطتي من على الكرسي:

“بالعكس يا طنط… الفلوس دي أحيانا بتبين للواحد أصله… وبيكتشف إن فيه حاجات في الدنيا قيمتها أكبر بكتير من اللي كنا فاكرينه.”

مشيت خطوتين ناحية الباب، لكن كريم قام من مكانه بسرعة وجري ورايا للروا do العريض اللي بيودي لباب الفيلا الخارجي. مسك إيدي بقوة وقال بصوت واطي ومشتعل غضب:

“إنتي اتجننتي؟ إيه المعاملة دي قدام أمي وأختي وخطيبها؟ إنتي فاكرة نفسك إيه؟ عشان شوية قرشين ولا شقة ورثتيها من واحدة ما تعرفيهاش هتعيشي عليا الدور؟”

نفضت إيده عني بحدة. الحركة دي خلت كريم يتصدم، وقف مكانه متنح، أصل عمر إيدي ما امتدت عشان تبعده.

بصيت في عينيه وقلت بنبرة أبرد من مية الثلج:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *