ماما طباخة لأماني السيد

مسكت التليفون ورنيت على ماما، أول ما سمعت صوتها الحنين حسيت قلبي هيتقطع، مكنتش قادرة أقولها إن حماتي عايزة أكل ببلاش، فقلت بمنتهى البهجة المصطنعة:
— يا ست الكل، سمير طالب منك خدمة كبيرة.. عامل عزومة لأهله وعايز يبيض وشه بأكلك اللي مفيش زيه، وبيقولك ده أوردر مخصوص والفلوس جاهزة وزيادة، وهيبعتلك عربية تاخد الحاجة يوم الجمعة الصبح بدري، هتقدري يا حبيبتي إنتِ والبنات؟
ماما فرحت من قلبها، مش عشان الفلوس، عشان حست إن جوزي مقدّر شغلها، وقالتلي بصوتها الدافي:
— من عيوني يا بنتي، ده يوم المنى لما أبيض وش جوزك قدام أهله، متشيليش هم حاجة خالص يا نورهان، هعملكم سفرة يتحدثوا بيها لسنين قدام!
جه يوم الجمعة، ومن الساعة اتناشر الضهر، بدأت روايح الأكل تعبي العمارة كلها مع وصول السيرفيسات.. ريحة البط المحمر في السمنة البلدي، وصواني الرقاق اللي بتلمع، وطواجن البامية باللحمة الضاني، وريحة المحاشي المشكلة اللي تفرد الروح.. الأكل كان طالع متزوق كأنه رايح لقصر ملكي، وماما مسبتش صنف إلا وحطت فيه من نفسها وبركتها.
نزلت أساعد في رص السفرة عند حماتي، وكانت هي واقفة وسط خالات سمير وعماته، نافشة ريشها ولابسة أحسن ما عندها، وبدل ما تقول كلمة حق أو تشكر، لقيتها بتبص للأكل بمنتهى التعالي وتقول لخالتها الكبيرة بصوت عالي عشان أسمع:
— شوفتي يا أختي الأكل؟ قولت لأمها تعملنا شوية حاجات على قدها، الستات دي لما تطلب منها حاجة بتصدق تلاقي حد ياكل من إيدها، أهو بياكلوا عيش برضوا.. بس الحق يقال، أنا اللي مظبطالها المقادير ومفهماها ذوقنا إيه في الأكل، أصلهم مش واخدين على الحاجات الفخمة دي!

الدم غلي في عروقي، وضوافري غرزت في كف إيدي من كتر الغيظ.. الستات كانت عيونهم هتاكل الأكل من جماله، وكل شوية واحدة تمد إيدها تدوق وتشهق من الحلاوة وتقول: “تسلم إيد اللي عملت، ده أكل ملوكي!” وحماتي تنسب الفضل لنفسها وتقول: “ده بركتي وتوجيهاتي يا حبيبتي!”.
وقبل ما أفتح بقي وأنسى كل وعودي لسمير وأفجر القنبلة في وشها، كان سمير داخل من باب الشقة، شيك ولابس قميصه الجديد، وشاف نظرة القهر اللي في عيني وهو سامع أمه بتتباها وتدوس على كرامة أمي قدام المعازيم كلهم.
قرب سمير من السفرة، وابتسم ابتسامة هادية جداً، لكن كان وراها لمعة غريبة في عينيه، ووقف في نص الصالة بصوته الجهوري اللي سكّت كل الستات اللي بياكلوا، وقال:
— نورتوا يا جماعة، ألف هنا وشفا على قلوبكم.. بس قبل ما تبدأوا أكل، فيه حاجة مهمة لازم الكل يعرفها عشان الحق يرجع لأصحابه!
الصمت نزل فجأة على الصالة، والكل ساب المعالق والشوك وبصوا لسمير باستغراب. حماتي اتوترت، وعينيها راحت عليه بحدة وهي بتقول بضحكة مرتبكة:
— خير يا سمير يا ابني؟ حاجة إيه دي اللي توقف الأكل عشانها، الأكل هيبرد والناس جيعانة!
سمير متأثرش، فضل واقف مكانه وابتسامته الهادية على وشه، ومد إيده على كتفي وشدني جنبه بالراحة، وبص لكل الموجودين وقال بصوت واضح ومسموع:
— السفرة اللي قدامكم دي، من أصغر صباع محشي فيها لأكبر صينية بط ورقاق، معمولة بإيد ست الكل، حماتي الغالية، أم نورهان.. الست دي بتشتغل بعرق جبينها وشقاها بالحلال بعد وفاة جوزها، وقايمة على شغلها بكرامة وشرف يشرفوا أي حد.
حماتي وشها بهت والدم هرب من خدودها، وحاولت تقاطعه وهي بتكز على سنانها:
— ما إحنا عارفين يا ابني إنها هي اللي طابخة، ما أنا قايلالهم إنها…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *