ترك زوجي والدته المريضة

كانت تخفيه
لا خوفا من الناس
بل خوفا عليه
كما تخاف الأم على طفلها حين لا تجد من تثق به ليحمله عنها.
كانت تحميه
وتراقبه
وتطمئن عليه بين الحين والآخر
كأنها تطمئن على قلبها نفسه
وكأنها تقول في سرها
سيأتي اليوم الذي أعرف فيه لمن يجب أن يصل.
ثم كتبت
وكتبت كلمات لم تكن قىاسية لكنها كانت صادقة حد الوجع.
قالت إنها كانت تعلم أن ابنها لا يفكر إلا في نفسه.
لم تكتب ذلك لتشىوه صورته
ولا لتنتفم
ولا لتبرر قرارها.
كتبته لأنها وصلت إلى يقين مؤلم
يقين لا يأتي إلا بعد خيبات متكررة.
كتبت أنها رأت فيه إنسانا اعتاد أن ينجو بنفسه
أن يترك غيره خلفه عند أول عاصفة
أن يحمي ذاته حتى لو احترق كل شيء من حوله.
وقالت إنها كانت تعرف أنه
عندما تأتي اللحظات الصعبة
سيمضي
دون أن يلتفتد
دون أن يسأل
دون أن يتحمل.
لم تكتب ذلك بغضب
بل بهدوء يشبه الاستسلام للحقيقة.
ثم طلبت مني بوضوح
أن لا أعطيه شيئا.
وأن لا أشعر بالذنب.
وكتبت جملة جعلتني أرتجف
الذنب ليس ذنبك.
ثم كتبت ما جعل قلبي ينهار بالكامل.
قالت إنها كانت تراقبني بصمت منذ اليوم الأول.
منذ اللحظة التي دخلت فيها بيتها
ولم أكن أعرف أن هناك عينا ترى
وقلبا يلاحظ
وعقلا يحفظ التفاصيل الصغيرة.
لم تكن تتدخل
لم تكن تعلق
لم تكن تمدح ولا تذم.
كانت فقط ترى.
ترى كيف أنظر إليها
لا كواجب
ولا كحمل
ولا كأمر مفروض
بل كإنسانة تحتاج من يحتويها.
كتبت أنها عرفت من نظراتي
من الطريقة التي أناديها بها
من صوتي عندما أقول اطمني
أنني لم أكن أتعامل معها بدافع الواجب
بل بدافع الرحمة.
كانت ترى كيف أصلح وسادتها قبل أن أنام
وكيف أحرص أن يكون رأسها مرتاحا
حتى لو كنت أنا بالكاد أقف على قدمي.
كانت تلاحظ كيف أطمئن عليها
ليس
لأن أحدا طلب مني
بل لأن قلبي لم يكن يعرف غير ذلك.
كانت ترى كيف أخفي دموعي
وكيف أبتسم رغم الإرهاق
وكيف أبتلع تعبي
حتى لا
تشعر أنها عبء على أحد.
وكتبت أنها لم تكن تثق في ابنها.
ليس لأنها تكرهه
بل لأنها عرفته جيدا.
عرفت أن قلبه تعود على الهروب
عند أول امتحان صعب
وأن الصبر ليس من طباعه
وأن الألم يخيفه أكثر مما يعلمه.
لكنني
كنت مختلفة.
قالت إنها شعرت بالأمان معي.
أمان لم تشعر به منذ سنوات طويلة.
أمان امرأة مريضة
وجدت أخيرا من لا ينظر إليها كوقت ثقيل
ولا كمسؤولية مرهقة
بل كأم تستحق الرعاية.
كانت متأكدة
بيقين لا شك فيه




