ترك زوجي والدته المريضة

عندما دخلت البيت استقبلني الصمت.

ذلك الصمت الثقيل الذي لا يشبه الفراغ بل يشبه الامتلاء بالذكريات.

الجدران كما هي الأبواب الخشبية العتيقة رائحة الرطوبة الممزوجة برائحة الخبز القديم وكل شيء بدا وكأنه ينتظرني.

دخلت المطبخ القديم.

توقفت طويلا عند العتبة.

كان كل شيء كما كان منذ سنوات طويلة وكأن الزمن توقف احتراما لوجودها.

الرفوف الخشبية الموقد الكرسي الذي كانت تجلس عليه وحتى الشىقوق الصغيرة في الجدار لم يتغير شيء.

تقدمت بخطوات بطيئة.

أزحت صندوق البطاطس جانبا ذلك الصندوق الذي كنت أتعثر به كل يوم تقريبا وأمسكت مجرفة كانت موضوعة في الزاوية.

لم أكن أعرف لماذا أفعل ذلك لكن يدي تحركت وكأنها تعرف الطريق.

بدأت الحفر.

كل ضىىربة مجرفة في الأرض كانت كأنها ضـ,ـربة في قلبي.

كانت الأرض قىاسية متماسكة وكأنها تخفي سرا لا يريد أن يكشف بسهولة.

وعلى عمق يقارب نصف متر اصطذمت المجرفة بشيء صلب.

تجمدت في مكاني.

ركعت على ركبتي وأسىقطت المجرفة وبدأت أزيل التراب بيدي.

وفي تلك اللحظة سرت قشعريرة في جسدي قشعريرة باردة جعلت أنفاسي تتقطع عندما أدركت أن حماتي كانت تخفي شيئا هناك منذ أكثر من ثلاثين عاما.

داخل الحفرة كان هناك صندوق معدني قديم.

ثقيل مغطى بالصدأ حوافه متآكلة لكنه ثابت صامد كأنه انتظر هذه اللحظة تحديدا.

بصعوبة وبقلب يرتجف فتحت الغطاء.

وما إن انفتح حتى رأيت ما لم أتوقعه أبدا.

نقود

نقود كثيرة مرتبة في رزم بعناية مذهلة وكأنها كانت تعد لهذا اليوم.

وبجانبها أوراق ووثائق وظرف أبيض يحمل اسمي.

جلست على الأرض.

لم أستطع الحركة.

لم أستطع حتى البكاء.

كان هناك مال أكثر مما حملته بين يدي طوال حياتي.

أكثر من كل ما حلمت به وأكثر من كل ما ظننت يوما أنني قد أملكه.

وفهمت في تلك اللحظة أنها كانت تدخره بصمت سنة بعد سنة ولم تخبر أحدا عنه.

فتحت الظرف.

كانت يداي ترتجفان وكأنني أمسك بقلبها لا بورقة.

داخل الظرف كانت هناك رسالة بخط يدها

خطها الذي كنت أعرفه جيدا بخطوطه المتعبة وانحناءاته الهادئة.

كتبت حماتي أنها كانت تدخر هذا المال لأكثر من ثلاثين عاما.

ثلاثين عاما من الصمت

ومن الصبر

ومن الانتظار الذي لا يراه أحد.

كانت تضع القليل كل شهر

ليس من فائض ولا من رفاهية

بل من تعبها

من أيام كانت تؤجل فيها احتياجاتها

ومن ليال كانت تقنع نفسها أن الغد قد يحتاج هذا المال أكثر منها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *