ترك زوجي والدته المريضة

أنني لن أتركها مهما اشتد الألم
وأنني سأبقى
حتى عندما يرحل الجميع.
وأنني سأعاملها كأم لي
لا كعبء
ولا كواجب
ولا كمرحلة مؤقتة.
ولهذا السبب
قررت أن تضع ثقتها كلها في
أنا لا فيه.
وكتبت بوضوح
وبخط ثابت لا يرتجف
خط امرأة عرفت ماذا تريد
وعرفت متى تقول كلمتها الأخيرة
أنها أرادت أن يكون هذا المال في يد إنسانة تعرف قيمته حقا.
لا قيمته كأرقام تعد
ولا كأوراق تخبأ
ولا كثراء يتباهى به
ولا كفرصة للسيطرة أو التفوق أو رد الصفعات.
بل قيمته كأمان.
كطمأنينة.
كفرصة لالتقاط
الأنفاس بعد سنوات من الركض.
كبداية جديدة لا يشوبها الخوف.
وكحق لم يمنح يوما بسهولة.
أرادت أن يكون في يد إنسانة
تعرف معنى أن تستيقظ وأنت لا تملكين إلا قلبك.
تعرف معنى أن تعطي دون انتظار مقابل.
إنسانة عطوفة
صبورة
تعرف جيدا كيف يكون الإنسان محتاجا
ولا يملك في لحظات ضعفه
سوى نظرة رحمة
أو يد لا تتركه.
إنسانة لا ترى في الضعف فرصة للاستغلال
ولا بابا للسيطرة
ولا وسيلة لفرض النفوذ
بل تراه سببا للحماية
ودافعا للرحمة
ومرآة تذكرها بإنسانيتها.
كتبت أنها أرادت المال أن يكون أداة للستر
لا سلاحا للإيذاء
وسندا لا قيدا
ووسيلة لبناء الحياة
لا لتمزيقها.
ثم انتقلت إلى التفاصيل
تفاصيل صغيرة
هادئة
لم أكن أظن يوما أنها لاحظتها.
تفاصيل كنت أفعلها بعفوية
دون أن أعي أنها تسجل في قلبها
كأنها تكتب سطرا سطرا.
كتبت كيف اعتنيت بها
ليس فقط حين اشتد المرض
بل في الأيام العادية
الأيام التي لا يراها أحد مهمة
لكنها تصنع الفرق الحقيقي.
كتبت كيف بقيت إلى جوارها في الليالي الطويلة
حين
يثقل الصمت
وتطول الساعات
ويصبح الألم رفيقا لا ينام.
كيف كنت أجلس قربها
أعد أنفاسها
أمسك يدها
وأتظاهر بالقوة
حتى لا تشعر بخوفي عليها.
كتبت كيف قضيت ليالي بلا نىوم
كيف كنت أراقب عقارب الساعة
وأعد الدقائق
حتى يحين موعد الدواء التالي
وكيف كنت أستبق الوقت
خوفا أن أتأخر ثانية واحدة.
كتبت كيف أنفقت آخر ما لدي من مال
على الأدوية
دون شكوى
دون تذمر
دون أن أظهر لها
أن الأمر كان يفوق طاقتي أحيانا.
كتبت أنها كانت ترى ذلك
وترى تعبي
وترى ضيقي
وترى خوفي
حتى عندما كنت أبتسم وأقول
ولا يهمك كله هيعدي.
وشكرتني.
شكرتني لأنها لم تشعر يوما
أنها عبء.
ولا أن مرضها ثقيل.
ولا أن وجودها يرهق أحدا.
وشكرتني لأنني لم أتخل عنها
عندما فعل الآخرون ذلك.
عندما انسحبوا واحدا تلو الآخر.




