جوزي ومرات أخوه روماني مكرم ٤

محمد أخو جوزي، وقِف قدام كبار عيلته ومسك ورقة الطلاق، وطلق نعمة بالثلاثة قدام الكل ورماها على الأرض، وأهلها سحبوها برا الحوش زي الشكارة المقطوعة، مطأطئين الرأس ومش قادرين ينطقوا بحرف.

والمأذون حضر تحت ضغط السلاح والعرف، وجوزي انحنى على الطاولة ورجليه بتترعش ومضى على ورقة طلاقي وعلى التنازل عن الشقة وال حقوق، وأهلي رماوه برا البيت مكسور العين والجاه.

الليل كان بدأ يليل، وأنا كنت واقفة ورا شباك الأوضة، حاطة إيدي على قلبي، بمتزج بين حرقة الدم اللي راحت وشرفي اللي رجع قدام البلد كلها، وبين بيت اتخرب وعيال اتمسعت حياتهم بسبب الخيانة والفجر.

محمود دخل عليا الأوضة، ومسك راسي باسها وقال لي: “حقك رجع يا فوزية، وراسك ممدودة فوق السحاب، والبلد كلها عرفت مين الشريفة ومين الفاجرة.. بس النار اللي ولعت دي، لسه شرارها مخلصش!”

خمدت أصوات الميكروفونات في الشارع، وتفرق أهل البلد من أمام البوابة الحديدية وهم يتهامسون بذهول مما شهدوه وسمعوه. لكن داخل حوش بيت أبي الصعيدي، لم تكن النار قد انطفأت بعد، بل كانت تنصهر في صمت أشد خطورة من صريح الصراخ.

خرجتُ من الأوضة بخطوات ثقيلة كأنني أحمل جبال العالم على كتفي. كنتُ أنظر إلى أبي الممدد على الأريكة، تنفسه مجهد ووجهه شاحب من أثر الصدمة التي كادت تودي بحياته، وإلى إخوتي الذين يقفون كالأشجار اليابسة في مهب الريح، السكاكين والشوم في أيديهم والدم يغلي في عروقهم. كانت نعمة قد سُحبت خارج البيت كجثة هامدة بعد أن طلقها زوجها محمد بالثلاث وأهدر أهلها دمها وعارها، وطُرد طليقي مكسور الرأس بلا شرف ولا مال ولا عمارة يأويه. لكن “سيد بقلة” البلطجي كان لا يزال ممدداً في الحوش، مربوطاً بالسلاسل، ودمه ينزف على التراب، شاهداً حياً على الفضيحة التي لا تمحوها مجرد اعترافات.

قربتُ من أبي، وجلستُ عند قدميه، وأمسكتُ بيده المرتعشة، وبكيتُ بكاءً مريراً خنق حلقي: “حققتوا لي حقي يا يابا.. رجعتوا لي كرامتي قدام الناس، بس قلبي محروق.. بيتي اتخرب وعيالي اتيتموا وأبوهم حي، والناس بره مش هتبطّل كلام حتى لو عرفوا الحقيقة!”

أبي فتح عينيه الغائمتين، ومسد على رأسي بإيد جافة ومرتعشة، وقال بصوت حشرجي مجهد: “الناس تفتح بقها وتقفله يا فوزية.. المهم الشرف يرخص قدام الدم وما يترخصش قدام الناس. راسك تفضل مرفوعة للسما، واللي يفكر يرميكي بكلمة، إخوتك يقطعوا لسانه من لغاليغه.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *