جوزي ومرات أخوه روماني مكرم ٤

دخلنا إلى مكتب وكيل النائب العام. كان رئيساً للشباك شاباً حاد النظرات، أمامه أكوام من الملفات والهواتف المضبوطة. نظر إليّ بعينين تفحصان الصدق، ثم أشار لي بالجلوس وأمر بإخراج الجميع باستثناء المحامي.
بدأ التحقيق..
“اسمك وشغلك وسنك يا فوزية؟”
أجبت بصوت كان في بدايته يرتعش من ثقل الخوف، لكنه مع كل كلمة كان يسترد صلابته: “فوزية.. ربة منزل.. عمري ثمانية وعشرون عاماً.”
وعلى مدار ساعتين كاملتين، أمليتُ عليه التفاصيل قطرة بقطرة: كيف نزلتُ لبيت أبي لمساعدة أختي في حنتها، كيف نسيتُ شنطة ملابس الأبناء وعدتُ في المساء لتفاجأ الشقة برائحة البرفان الحريمي، كيف فتحتُ باب أوضة النوم لأجد طليقي بالبوكسر وسيلفتي “نعمة” بقميص النوم الأحمر المكشوف، وكيف تكاتف الأهل لسترهما خوفاً من الدم والدمار، وأجبروه على كتابة إقرار بخط يده ومحيط بصمته.
ثم واصلتُ سرد الجريمة الثانية: كيف استغل غيابي في السوق بعد ثلاثة أشهر وسرق الإقرار وأحرقه، وكيف اتفق مع نعمة واستأجرا المسجل خطر “سيد بقلة”، ووضعوا لي المنوم في العصير ليلاً ليدخلوا البلطجي إلى فراشي ويتولوا تصويري بنية ابتزازي وكسر عيني وعين أهلي الصعايدة، وكيف كشف أخي محمود التلفيق وجلب البلطجي الذي اعترف وصوت نعمة في الفويس نوت وهو يوجه العملية!
كان وكيل النيابة يدون كل حرف، وعيناه تزدادان قسوة وجهماً تجاه الجناة. وبعد أن أنهيتُ أقوالي ومضيتُ على المحضر، أُمر بإدخال متهمي الجريمة للعمل بمواجهة رسمية.
أول من أُدخل كان “سيد بقلة”.. كان يسير بثقل، السلاسل الحديدية تقيد يديه وقدميه، وجهه يعلوه التورم من آثار قبضة الصعايدة، وما إن رآني حتى جثا على ركبتيه أمام النيابة وهو يصرخ: “والله العظيم يا بيه أنا مجرد أداة مأجورة! الست نعمة هي اللي اتصلت بي وقالت لي ليك ألفين جنيه، والجوز الخاين هو اللي فتح لي الباب بمفتاحه وأنا دخلت وقعدت جنبها وهي غايبة عن الوعي وملمستهاش بس اتصورت! التسجيلات الصوتية بصوتها على تليفوني أهيه، ارحموني أنا بريء من هاتك العرض أنا مجرد بلطجي مأجور!”
ثم أُدخلت “نعمة”..
كانت نعمة تبدو كالظل المائل، وجهها أصفر زي الموتى، شعرها منثور وعيناها تائهتان من الخوف والقهر. لم تعد نعمة الجريئة التي كانت ترفع تليفونها وتصور بنشوة الغل في أوضة نومي، بل كانت جرذًا مبللاً ينتظر ساطور العدالة. أول ما وقعت عينها عليّ وعلى أخي محمود، ارتمت على الأرض وبدأت تنحب بتمثيلية مكسورة: “يا باشا أنا مظلومة! جوزها هو اللي أغراني، وهو اللي قال لي نعمل كده عشان مراته مسكانا من رقبتنا بالورقة القديمة! أنا كنت خايفة جوزي في الخليج يعرف ويقتلني، فوافقت أساعده عشان أستر على نفسي!”





