جوزي ومرات أخوه روماني مكرم ٤

محمد، أخو جوزي المسافر، حضر الجلسة وهو يلبس سواد الثكل. وقف أمام أبي وأمامي، وانحنى يقبل يد أبي ورأسي وهو يبكي بحرقة: “سامحيني يا فوزية.. أنا كنت غبي ومخدوع، وسدقت الفاجرة وأخويا الخاين. أنا مسافر الخليج ومش راجع هنا تاني، ورزقي وحقي في الدنيا سبته لعيالك تكفيراً عن الذنب اللي ماليش فيه غير غبائي!”

مرت الأيام والشهور، وصدر حكم محكمة الجنايات كالصاعقة: السجن المشدد عشر سنوات لنعمة، وعشر سنوات لطليقي الذي أُخذ من كرسيه المتحرك إلى سجن شديد الحراسة، وخمسة عشر عاماً لسيد بقلة البلطجي.

أما أنا.. فقد عدتُ إلى شقتي، طهرتها من رجس الماضي، وغيرتُ معالمها بالكامل. أغلقتُ أوضة النوم القديمة وجعلتها مصلى ومكاناً لقراءة القرآن، وربيتُ عيالي تحت ظل أبي وإخوتي الصعايدة الذين أثبتوا لي وللدنيا أن الشرف ليس مجرد كلمة تتردد، بل هو دم يراق وصمود يهد الجبال.

جلسنا في ليلة قمراء بالبلكونة، وأبنائي يلعبون حولنا في الصالة، وبصيت للسماء ورفعت إيدي لله.. حمداً وشكراً لمن يمهل ولا يهمل، لمن كشف الخائنين، ورَدّ لي كرامتي، وأخرجني من بين أنياب الفضيحة والتلفيق، ناصعة الثوب، مرفوعة الرأس، وشريفة رغماً عن أنف الفجر والخيانة.

الحكمة المستفادة من هذه القصة تُختصر في حقيقة أزلية: “مَكرُ السَّوءِ لا يَحيقُ إلَّا بأَهلِه، والحَقُّ لو أُطفِئَت أنوارُهُ حِينًا، يَبقَى كالجَمرِ تحتَ الرَّمادِ لا يَموتُ حتى يُحرِقَ الباطِل.”

ويمكن استخلاص أبرز العِبر في النقاط التالية:

* الستر لا يُطلب على حساب الشرف: التغاضي عن الخيانة وتغطية الفضيحة بحجة “عدم خراب البيوت” أو الخوف من كلام الناس لا يثمر إلا شرًا أكبر؛ فالخائن إذا لم يجد رادعًا استمرأ الباطل وتمادى فيه.

* شحناء الغدر تبور: من يسعَ لكسر الشرفاء وتلفيق التهم للبرءاء حتمًا سيقع في شر أعماله؛ لأن أدوات الشر هشة، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

* أهمية العقل والثبات عند المصائب: استعانة الأخ بالذكاء والروية وتحكيم العقل وسط فوران الدم هي التي أنقذت العرض؛ فالحقيقة احتاجت إلى دليل وقوة وثبات ليُنصر الحق وتُكشف الخديعة.

* عدالة السماء نافذة: قد يظن الظالم أنه محميٌّ بانتشاره أو بخديعته أو بسرقته للأدلة، لكن الله سبحانه يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ويكون عقاب الدنيا خزيًا وقبل عقاب الآخرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *