جوزي كان عازم العيله كلها عندنا على اكلة سمك من ايدي ، بس اخت جوزي بدلتلي الدقيق بالجبس من غير ما اخد باللي عشان جوزي يتكسف قدامهم ويبهدلني ، ومع اول لقمه السفره كلها اتبرجلت و الكل بصلي بذهول هز كياني !!! أنا نهله ست متجوزة من 3 سنين بس ربنا رزقني ببنوتة زي القمر مالية عليا دنيتي، وعايشة حياة هادية الحمد لله.. حماتي ست طيبة وبتعاملني بما يرضي الله، وجوزي انور راجل أصيل بيقدرني وبيحترمني جدا مشكلتي الوحيدة في الدنيا دي كانت "أحلام"، اخت جوزي. أحلام مش وحشه يعني لكن الغيرة كانت عمياها مني. يمكن عشان إحنا في نفس السن وهي لسه ربنا ما أردش وتتجوز، أو يمكن طبعها كده مش بتحب تشوف حد متفضل عليها. تصرفاتها معايا دايماً جافة، ونظراتها ليا كان فيها ثقل مش مبرر. كنت دايماً بأفوت وأقول يا بت كبري دماغك، دي أخت جوزك برضه وحسبيها اختك الصغيرة. في يوم كانت العيلة متجمعة في الصالة. جوزي، وأخوه، وابن عمه، وأخويا أنا كمان كان قاعد معاهم. الصوت كان واصل للمطبخ والضحك مالي البيت. كنت ساعتها واقفة بعملهم الشاي، وسمعت جوزي وهو بيتكلم عني بكل فخر كالعادة ويوصف في اكلي اللي بيعشقه ودايما بيشكر فيه. أخوه كان بيغيظه بضحك وبيقوله: "مهما عملت مش حيبقى زي أكل مراتي!" جوزي رد بثقة وقال: "لا حاسب بقى! دي نهله عليها شوية سمك مقلي ولا صينية، ريحتهم تجيب آخر الشارع.. النفس بتاعها ملوش حل محدش ربعها اصلا!" أخويا سمع الكلمة دي، وبص لجوزي بفخر وقال: "معاه حق والله، الواد ده أخدها مننا وكانت مهنيانا، نفس في الأكل عجب!" ابن عمه ضحك وقاله بهزار: "الله الله! طب مادام الكلام على كبير كده، ما تعزمنا ونحكم بنفسنا؟" جوزي ما كدبش خبر، وقال بحماس: "فوراً! أعزمكم وتحكموا بنفسكم.. بس تطلعوا بالحق!" كل ده وأنا واقفة في المطبخ، ابتسامة عريضة على وشي، قلبي طاير من كلام جوزي وهو بيتباهى بيا قدام أهلي وأهله. بس أحلام كانت واقفة جمبي، وهتطق من الغيظ إن جوزي بيشكر فيا كده، وما جابش سيرتها ولا سيرة أكلها ولا أكل أمها. قلت لها بحسن نية وابتسامة: "ودي الشاي يا أحلام عقبال ما أشوف الأكل اللي على النار." لقيتها اتنطرت فيا وزعقت بغل مكتوم: "وأنا مالي! ودي أنتِ يا اختي، ما هو جوزك بيحب الحاجة من إيدك أنتِ!" سكتت وما رديتش.. اتعودت خلاص على غيرتها وإن لو حد قال كلمة حلوة واحده في حقي هي بتضايق. طفيت البوتجاز وأخدت صينية الشاي وطلعت بيها الصالة. أول ما جوزي شافني قال بابتسامة قمر: "أهيه الشيف جات أهيه! بصي بقى، العيال دول بيتحدوني.. هتعمليلهم أحلى عزومة سمك بكرة وترفعي راسي؟" بصلته بحب وقلت له: "من عينيا الاتنين، ده السمك ده لعبتي!" جوزي قال بحماس وهو بيضحك للشباب: "أهو سمعتوا بنفسكم؟ خدوا بالكم بقى من صوابعكم بكرة لتأكلوها ورا الأكل!" القعدة سخنت والضحك زاد، وجوزي حلف لتكون عزومة عائلية كبيرة. طلب من ابن عمه يجيب إخواته، وطلب من أخويا يجيب أبويا وأمي، وأخوه ييجي هو ومراته وعياله.. أخوه كان لسه ناقل في بيت لوحده عشان أسرته كبرت وحب يوسع على نفسه. يعني البيت بكرة هيبقي مليان على آخره. تاني يوم، صحيت من قبل الفجر. همتي كانت في السماء. نزلت السوق بنفسي ونقيت السمك طازة وبيلعب، بلطي على بورى على جمبري. رجعت البيت تنظيف وتتبيل بالثوم والليمون والكمون والخلطة السحرية بتاعتي. ريحة التتبيلة لوحدها كانت تجوع. جهزت كل حاجة، وحطيت الدقيق في طبق واسع على الترابيزة عشان أبدأ أقلي قبل ما يوصلوا بساعة. في وسط الزحمة والدوشة، وحماتي داخلة طالعة تشوفني لو عايزه حاجه وبقيت اتكلم معاها ... اتسللت أحلام المطبخ واحنا مشغولين انا وحماتي و من غير ما نحس ، بدلت طبق الدقيق الأبيض اللي أنا مجهزاه بطبق تاني فيه جبس أبيض! الجبس كان نفس لون الدقيق ونفس النعومة، وأنا من استعجالي وفرحتي باللمة، ما شكيتش لحظة. مسكت السمك، غطسته في "الدقيق" اللي هو الجبس، وعلى الزيت السخن على طول. السمك أخد لون ذهبي غريب وشكل متماسك جداً، أنا استغربت القرمشة بس قلت يمكن عشان السمك طازة وزيته جديد. ترصت السفرة.. رز صياديه أحمر ، سلطات، طحينة، وصواني السمك المقلي والمشوي والمقرمش تفتح النفس. وصلت العيلة كلها، أعمام وأولاد عم، وأخوات جوزي، وأهلي، والأولاد الصغار مالين المكان. اتلمت العيلة على السفره، وجوزي قاعد على رأس الطاولة، عينيه بتلمع وهو يبصلي ويقولهم: "سموا الله بقى وادعولي!" الكل مد إيده.. الضحك والهزار كان مالي الأوضة.. وأنا واقفة ورا جوزي ومستنية أسمع كلام الثناء اللي متعودة عليه.. ومع أول لقمة دخلت بؤهم... لمحة نيوز الضحك اتقطع فجأة زي ما نكون ضغطنا على زرار ! الملامح اتغيرت في ثانية واحدة من الفرحة والشهية للذهول الشديد. اللي كان بيمضغ وقف، واللي كان لسه هيبلع اتخنق! وعيون العيلة كلها اتجمعت عليا في نفس اللحظة.. نظرات استغراب هبت في الأوضة هزت كياني هز! وأنا شايفة جوزي بيبصلي بذهول مش قادر يستوعبه!!!!! أنور جوزي مسك حتة السمكة المقرمشة، وبصلي ونظرة الذهول في عينيه كانت هتموتني في جلدي.. أنا في اللحظة دي قلبي وقع في رجليا وقولت ياترى مالهم بيبصولي كده ليه! بس فجأة.. فجأة وبدون أي مقدمات، لقيت ابن عم جوزي بيصرخ فجأة بكل قوته: "أوعى! ايه ده يا جدعان؟! ايه الحلاوة دي!" وبعدها بأقل من ثانية، الصمت اللي كان مالك الأوضة اتقلب لثورة! ثورة أعجاب وذهول هزت البيت كله! أخو جوزي كان ماسك السمكة وبيمضغ وعينيه مفتوحة على آخرها من الصدمة، صرخ هو كمان: "لا لا لا.. ده مش سمك! ده سحر! ايه القرمشة دي يا نهلة؟ ايه التتبيلة دي؟! أنا بحلف بالله ما أكلت سمك في حياتي بالجمال ده ولا في أفخم مطاعم الفسفور!" جوزي أنور كان باصصلي وهو مش مصدق نفسه، أخد اللقمة التانية ورا الأولى وعينيه بتلمع، وقام وقف على حيله من كتر الانبهار وقال بصوت هز الصالة: "يا نهار أبيض يا نهلة! ايه الطعامة دي يا بنت اللذينة! القرمشة دي جايباها منين؟ واللحم دايب دوب وتتبيلتك واصلة للشوكة من جوة دي خلطة سرية ملهاش حل!" حماتي قالتلي "يسلم إديكي يا نهله طول عمرك ست بيت وشاطرة، بس النهاردة أنتِ عديتي الخيال! السمك مقرمش من برة وطري وقشطة من جوة، يسلم العقل والنفس! " أبويا وأمي كانوا قاعدين راسهم مرفوعة للسما من الفخر، وأخويا عمال ياكل بإيديه الاثنين ويقول وهو بيمضغ: "مش قلتلكم؟! مش قلتلكم أختي ملهاش حل؟ وربنا يا أنور أنت محظوظ بيها، الأكل ده يتوزن بالدهب!" الناس كلها بقت بتاكل بنفس مفتوحه! الصواني اللي كانت مليانة سمك اتنسحت في ثواني، الصوت في الأوضة اتقلب لاهات إعجاب وشكر وتطبيل لشطارتي. "تسلم إيدك يا نهلة"، "ربنا يحميكي يا بنتي"، "والله يا أنور مراتك كسبت الرهان وزيادة!".. الكل كان بيشكر فيا وفي طعم الأكل الخطير اللي عمُرهم ما ذاقوا زيه في حياتهم. أنا كنت واقفة في نص الصالة، ومبسوطه جدا وبحمد ربنا انه رد تعبي خير في وسط الهيصة والزيطة دي كلها، بصيت على أحلام.. أحلام كانت قاعدة وشها جايب ألوان، كانت متسمرة في مكانها، عينها هتطلع من وشها من الصدمة والذهول! كانت حاطة اللقمة في بقها وبتبصلي برعب وعدم تصدق.. هي كانت مستنية العيلة تتفجر غضب ، لقيتهم بياكلوا صوابعهم ورا الأكل ويشكروا فيا للسمك! من كتر الصدمة والذهول اللي أكل دماغها، أحلام مقتدرتش تستحمل ولا تقعد ثانية زيادة. قامت جارية من على السفره، وجريت على المطبخ زي المجنونة عشان تتأكد بنفسها ايه اللي حصل وإزاي خطتها الشيطانية باظت وأكلت في الهوا! أول ما دخلت المطبخ، جريت على طبق الدقيق اللي كان محطوط على الترابيزة، مسكته بعياط وغل وحطت صباعها فيه ودقته.. لقته دقيق أبيض عادي جداً! وفجأة.. صوت وراها خلّى ركبها تتخبط في بعضها من الخوف! صوت أمها (حماتي) وهي داخلة وراها المطبخ بخطوات ثقيلة، وقفت عند الباب وقفلت الباب وراها بالراحة، ووشها كان أسود من الغضب، وبصت لأحلام بصرامة وقرف يهز الجبال. حماتي بصت لها وقالت بنبرة حادة واطية عشان محدش برة يسمع: "بتدور على إيه يا أحلام؟ بتدوري على الجبس اللي حطيتيه لمرات أخوكي عشان تخربي عليها وتكسفيها قدام العيلة؟" أحلام اتصدمت، اتسمرت مكانها والطبق وقع من إيدها على الترابيزة، ووشها بقى زي الليمونة المعتصرة من الخجل والرعب: "إيه.. إيه ده يا ماما؟ أنتِ بتقولي إيه؟! أنا ما عملتش حاجة!" حماتي قربت منها وضربتها بالراحة بس بقسوة على كتفها وقالتلها بصوت واطي ومحروق: "اسكتي خالص يا خايبة! فاكرة إنك ناصحة؟ أنا شفتك بعينيا دول وأنتِ بتتسحبي زي الحرامية وبتشيلي طبق الدقيق وتحطي الطبق اللي فيه الجبس بتاع التوضيبات اللي كان في البلكونة! شفتك وغلك كان عاميكي وما خدتيش بالك إن في حد باصص عليكي!" أحلام حطت إيدها على بقها ودُموعها نزلت من الخوف: "ماما.. أنتِ.. أنتِ شفتيني؟!" حماتي قالت بغيظ شديد: "أه شفتك يا قاسية القلب! وعشان أعرفك إن ربنا مابيرضاش بالظلم، وأول ما خرجتي من المطبخ بتتسحبي، دخلت أنا فوراً ورجعت طبق الدقيق بتاع نهلة الأصلي مكانه، وأخدت طبق الجبس بتاعك رميته في الزبالة وقَفَلت عليه! نهلة تقلي بالدقيق بتاعها ونفسها الحلو، وأنتِ خطتك الخايبة تترمي في الزبالة مطرح ما تستاهلي!" أحلام كتمت صرخة خجل وعياط في صدرها، وأمها مسكتها من ذراعها بضغط شديد وقالتلها بتهديد مباشر وواضح: "سمعاني يا أحلام؟ وحياة اللي خلقني وخلقك، لو فكرتي بس في يوم من الأيام تعملي حركة زي دي تاني، أنا اللي هقف قدامك، وهروح لأنور أخوكي وأقوله على كل اللي عملتيه بالحرف! وأنتِ عارفة أنور لما يزعل منك ومن عمايلك الخبيثة دي، ممكن يعمل فيكي إيه! ساعتها مش هيرحمك ولا حيطيق يبص في وشك تاني!" أحلام جسمها كله كان بيتراشف من الخوف.. هي عارفة أخوها أنور، بيحبني جدا وشخصيته شديدة في الحق، ولو عرف إن أخته كانت عايزة تؤذيه وتكسفه قدام الناس وتخرب بيته، كان ممكن يطردها أو يقطع علاقته بيها للابد. أحلام نزلت رأسها في الأرض بكسرة وخجل ما بعده كسرة، وقالت بصوت مكسور وبكاء: "حرمت يا ماما.. والله العظيم حرمت! مش هعمل كده تاني أبداً، وحياة ربنا ما هاجي ناحيتها تاني، بس بلاش تقولي لأنور.. بلاش يا ماما أرجوكي!" حماتي بصت لها بقلة صبر وقرف وقالت: "اتفضلي اغسلي وشك ده واطلعي الناس بره !" خرجت أحلام من المطبخ وهي مجرورة من كرامتها، وشها في الأرض، ومش قادرة تحط عينها في عيني ولا في عين أخوها. قعدت على طرف السفره ساكتة تماماً، مابتنطقش بحرف، وكل ما جوزي أو حد من العيلة يشكر فيا وفي أكلي، كانت هي بتنكمش في نفسها أكتر من الخجل والكسوف. انا كنت سمعت كل كلامهم لاني روحت اشوف فيه ايه ليه راحو المطبخ وسمعت اللي قالته حماتي لاحلام كنت هدخل ازعقلها واعاتبها…بس قولت حماتي قامت بالواجب ملوش لزوم اصغرها خلاص ومن اليوم ده.. أحلام ما بقتش تقرب ناحيتي ولا تتدخل في حياتي، وعرفت إن اللي بيحفر حفرة لأخوه.. مابيبقعش فيها غيره! وأنا فضلت عايشة في بيتي مع جوزي وبنتي، ملكة في نظرهم، والحمد لله على نعمة الستر والنية الطيبة