يوم عيد ميلادي حكايات رشا ٣

مسح عمران الدم النازف من جبينه بظهر يده، وحمل سيفه المكسور من المنتصف وعاد بخطوات ثقيلة نحو الدكان. تفرّقت الجموع في الحارة بين مذهول ومتخوّف، فالجميع يعلم أن الفتوة “الجاسور” لن يتقبل هذه الهزيمة النكراء، وأن خلفه رجالاً وأموالاً ونفوذاً يمتد إلى خارج حدود الحارة.
أول ما دخل عمران الدكان، وجد الشيخ “حامد” شيخ الحارة القديم منتظراً إياه في الظلام. كان الرجل العجوز يتكئ على عصاه وعيونه مليئة بالقلق:
— عمران… إنت فتحت أبواب جهنم عليك. الجاسور مش لوحده، الجاسور وراه “السيد الكسار”، والكسار عنده رجال وعتاد يهدوا حارتنا دي في ساعات.
رد عمران وهو يربط قماشة بيضاء حول جرح كتفه، وصوته يخرج هادئاً كالجبل:
— الكسار هو اللي أجر الجاسور عشان يقتل إخواتي الأربعة يا شيخ حامد. أنا كنت عارف من الأول إن الجاسور مجرد كلب حراسة… والنهارده بس المشوار بدأ بجد.
في تلك اللحظة، رنّ صوتُ حوافر خيول تقترب بسرعة جنونية من أطراف الحارة. صوت الحركة كان أعلى وأعتى من المرة السابقة. سحب عمران سيفه من جديد، وخرج إلى الشارع.
الشارع كان قد خلا تماماً من الناس، وأغلق الجميع أبوابهم ونوافذهم. في منتصف الطريق، وقف أربعة رجال ملثمون يركبون خيولاً سوداء، وفي مقدمتهم رجل يتشح برداء فاخر، وعلى وجهه ندبة قديمة… إنه “السيد الكسار” بنفسه.
وقف الكسار بعربته وقام بفك سرطام جواده، ثم نظر إلى عمران بابتسامة خبيثة:
— عمران الحرافشي… فاكر إنك لما تكسر الجاسور تكون أخدت حق إخواتك؟ إخواتك الأربعة ماتوا لأنهم رفعوا راسهم قدامي، وأنت الخامس اللي فاكر إنه يقدر يقف في وش الريح.
عمران مشي بثبات في منتصف الشارع، ورفع سيفه وقال بصوت مسموع:
— الريح بتتكسر لما تخبط في صخرة يا كسار. إخواتي ماتوا بالغدر، لكن أنا واقف قدامك عين في عين.
ضحك الكسار ضحكة قاسية، وأشار بيده لرجاله الأربعة:
— اقطعوا راسه وهاتوها في توبر، عشان الحارة دي تعرف مين الكبير.
انطلق الفرسان الأربعة ونزلوا عن خيولهم، وحاصروا عمران من الجهات الأربع. كانت السيوف تلمع تحت ضوء القمر الداكن.
بدأت الجولة السادسة، ولكنها لم تكن كغيرها…
هجم الأول بسيفه الطويل، فردّ عمران الضربة بمقبض سيفه المكسور وأزيح جانباً، لكن الثاني باغته بضربة في ظهره قطعت ثوبه وأسالت دمه. امتزج الألم بالغضب في صدور عمران، فالتف بسرعة كسبع جريح، وغرس سيفه في قدم المهاجم حتى طرحه أرضاً.





