يوم عيد ميلادي حكايات رشا ٣

الثالث والرابع هجما في وقت واحد، وتداخلت أصوات الحديد مع صرخات الغضب. كان عمران يقاتل بجسد مجهد ودماء تنزف من كتفه وظهره، لكن ذاكرة إخواته الأربعة كانت تمدّه بقوة لا تصدق. استغل ضيق الشارع وزاوية المبنى، وجعل الخصمين يصطدمان ببعضهما، ليضرب سيف أحدهم من يده ويتغلب عليه في لحظات.
بقي رجل واحد من الفرسان، والذي تراجع للخلف برعب لما رأى رفاقه الثلاثة يتساقطون واحداً تلو الآخر أمام رجل جريح ومفرد.
نظر عمران إلى الكسار الواقف بعيداً، وقال بصوت يشبه الرعد:
— نزل س\لاحك يا كسار وانزل بنفسك… المعركة دي بيني وبينك مش مع الكيان اللي بتستخبى وراه!
الكسار اتغيرت ملامحه، وسحب سيفه العريض المغلف بالفضة، ونزل من على جواده بخطوات قاسية، وعينيه مليئة بالشر:
— تمام يا ابن الحرافيش… شكل نهايتك هتكون على إيدي أنا شخصياً.
اقترب الرجلان من بعضهما، ووقفا في منتصف الشارع والدماء تغطي الأرض… وكانت هذه بداية أعنف مواجهة شهدتها الحارة.
ارتفعت الأسياف في ظلام الليل، ولم يعد يُسمع في الحارة سوى صوت تنفسهما المتصاعد واحتكاك المعدن بالمعدن. كانت قطرات المطر الخفيفة قد بدأت تتساقط، لتختلط بقطرات الدم والعرق التي تغطي وجه عمران.
وقف الكسار بثقة الطاغية، يمسك بسيفه الفضي العريض ببراعة رجل قضى حياته في الحروب والمؤامرات، بينما كان عمران يقف بجسد مجهد، والدم ينزف من ظهره وكتفه، متمسكاً بسيفه المكسور الذي صار رمزاً لصرامته وبقائه.
دار الكسار حول عمران بخطوات حذرة كالنمر، ثم قال بصوت متهكم ملئ بالسواد:
— أنت واهم يا عمران… فاكر إن الشجاعة لوحدها تكفي؟ إخواتك الكبار كانوا أشجع منك، لكن العقل والنفوذ والفلوس هما اللي بيمشوا الدنيا. أنت مجرد حشرة واقفة في طريق قطار!
رد عمران بصوت هادئ ولكن عميق كأنه يخرج من باطن الأرض:
— الفلوس والنفوذ يبنوا قصور من زجاج يا كسار… لكن الحق يبني جبال. وإخواتي ما ماتوش، دمهم عايش في عروقي، والنهارده حساب كل نقطة دم طاحت على أرض الحارة دي.
وانطلق الإثنان في آن واحد!
التقى السيفان بشرارة أضاءت عتمة الشارع. ضربة الكسار كانت هائلة القوة، كادت تطيح بسيف عمران المكسور من يده. ترنح عمران للداخل، فاستغل الكسار الفرصة ووجه إليه ركلة قوية في صدره أطاحت به أرضاً على الحجارة الرطبة.




