حمايا بنى عمارة أماني السيد ١

فضلت واقفة مكاني، الدم بيغلي في عروقي وعيني رايحة جاية بين برود حماتي ونظرات أخت جوزي اللي كانت بتبصلي بانتصار مقرف. في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات طالعة على السلم، ودخل جوزي وهو شايل أكياس في إيده.. اتفاجئ بالدربكة والعيال، وبصلي وبصلهم بذهول:
* “في إيه هنا؟ إيه اللي بيحصل ده؟”
جريت عليه وأنا صوتي بيترعش من القهرة:
* “تعالى شوف يا أخويا.. تعالى شوف الشقة اللي بعت دهبي وشقا عمري عشانها، أختك وأمك فتحوها بمفتاح قديم وقاعدين فيها! وبتقولي طمعانة، وهي واخدة تمنها على داير مليم!”
حماتي قربت منه بسرعة، وبدأت تمثل دور الأم المغلوبة على أمرها، حطت إيدها على كتفه بنبرة كلها عتاب ومسكنة:
* “يرضيك يا بني؟ أختك لحمك ودمك، اتنصب عليها في كل قرش، وعيالها مالهمش مطرح يسترهم.. قولت ندخلها يومين، بس لحد ما تقف على رجليها وتلاقي شقة تانية بالإيجار.. مراتك عايزة تفضحنا قدام الجيران وترمينا في الشارع؟”
أخت جوزي استغلت الموقف ورمت نفسها على الكنبة وفضلت تعيط بحرقة مصطنعة:
* “أنا اللي غلطانة.. خلاص يا خويا، هاخد عيالي وأقعد في الشارع، عشان مراتك ترتاح وما تشيلش هم إننا أكلنا حقها!”
بصيت لجوزي مستنية منه كلمة حق، مستنية يقف وقفة راجل ويقول إن ده شقانا وحق ابنه اللي استلفنا عشانه، لكنه وطي وشه في الأرض، التردد كان باين في كل ملامحه، وقال بنبرة هادية وضعيفة كسرت ضهري:
* “سحر.. اهدي بس يا حبيبتي، ما ينفعش الصوت يعلى كدة والناس تسمعنا. أختي برضه في محنة، مش هنطردها دلوقتي.. هما يومين اتنين بالعدد، على ما أدور لها على شقة إيجار تناسب ظروفها وتنقل فيها.”
* “يومين؟ أنت مصدق اللي بتقوله؟!” صرخت وأنا مش مستوعبة خذلانه.
مسك إيدي وشدني لبرا الشقة، وقال وهو بيوطي صوته وبيترجاني:
* “معلش يا سحر.. عشان خاطري أنا عديها، مش هنقطع في بعض عشان حيطان. دول يومين بس تهدا النفوس، وهنزل بنفسي أدور لها على مطرح تلم فيه عيالها، وأنا اللي هطلعها بإيدي.”

حماتي وقفت ورانا وأكدت بلهجة حنينة سمّها مدفون في الكلام:
* “يومين اتنين بس يا سحر يا بنتي، لحد ما نلاقي شقة تانية وربنا يفرجها عليها.. عيب تطلعينا قدام الناس من غير أصل.”
لقيت نفسي محاصرة بين عين حماتي اللي بتلمع باللؤم، ودموع أخت جوزي المصلوبة على باب الغدر، وكسرة جوزي اللي اختار يشتري خاطر أهله على حساب حقي وكرامتي. حسيت بغصة سدت حلقي، ومبقاش عندي طاقة للمناهدة أكتر من كدة وسط تكتلهم ده.
بلعت المرار وسكتت.. بصيت لجوزي وقولتله بنبرة باردة ومرعبة:
* “يومين يا ابن الناس.. تمانية وأربعين ساعة، لو رجليها فضلت في الشقة دي بعدها، ما تلومش غير نفسك على اللي هيحصل.”
لفيت ضهري ودخلت شقتي وقفلت الباب ورايا، بس قلبي كان حاسس إن السكوت ده مش هيعدي على خير، وإن اليومين دول ما هما إلا أول حبل بيتلف حوالين رقبة حقي عشان يدفنوه بالحياة.
مرت التمانية وأربعين ساعة، وجه وراها أسبوع، وجوزي كل ما أفتحه في الموضوع يتهرب بعينه ويقولي: “السوق نايم يا سحر، الإيجارات نار ومش لاقي حاجة على قد الإيد.. اصبري بس كام يوم.”
والكام يوم جروا وراهم أسابيع، واليومين بقوا شهر، والشهر كرّ وراه شهور لحد ما كملت خمس سنين !
خمس سنين وأنا بشوف شقا عمري ودهبي اللي اتباع بيتبهدل قدام عيني يوم ورا يوم. الشقة اللي كنت بحلم أفرشها وأوضبها لابني، بقت مأوى ليهم بحكم الأمر الواقع. العفش القديم المكسر ملى الصالة، الحيطان اتبهدلت وشخابيط عيالها ملت المداخل، وريحة القلي والزفارة طالعة على السلم ليل نهار.. والأدهى من ده كله، عين أخت جوزي اللي اتكسرت في الأول، رجعت وقحة وأقوى من الأول بمية مرة.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *