مراتي كانت في غيبوبة

حكايات رشا

لمحة نيوز

أوف وايت.
وإيد واحدة محطوطة فوق الغطا جنب دراع ندى.
ماكنتش بتلمس الأجهزة.
ماكنتش بتفتش في الأدراج.
وماكنتش بتتصرف زي حرامية دخلت البيت.
كانت…
بتتكلم.
بصوت واطي.
رفعت نفسي شوية أكتر.
وفجأة الست لفت راسها.
قلبي وقع.
سلمى؟!
سلمى، أخت ندى الصغيرة، ماكنتش دخلت بيتي بقالها تقريبًا خمس سنين.
رجعت لورا من عند الشباك وأنا متلخبط، ورجلي خبطت في طرف حوض الزرع، وكنت هقع فوق شجيرات الورد اللي ندى نفسها زرعتها الصيف اللي قبل الحادثة.
وللحظة غريبة جدًا، فضلت واقف في الضلمة، ببص ناحية الشباك المنور وكأني ممكن أكون بتخيل.
وبعدين لفيت ناحية باب البيت.
إيدي كانت بتترعش وأنا بدخل المفتاح في القفل.
دخلت.
البيت كان صوته زي كل ليلة.
الهمهمة الهادية بتاعة الأجهزة في أوضة ندى.
صوت التلاجة وهي بتشتغل وتفصل.
والدفاية القديمة وهي بتعمل طقطقة معدنية خفيفة.
لكن المرة دي كان فيه صوت تاني.
صوت ست.
سلمى كانت بتقول
وماما لحد دلوقتي مصرة إن الفطيرة ما اتحرقتش. بتقول اتحمرت زيادة بس. أصل طبعًا فيه فرق كبير لما تكوني إنتي اللي نسيتيها في الفرن!
دخلت الأوضة.
سلمى قامت بسرعة لدرجة إن رجلين الكرسي حكوا في الأرض بصوت عالي.
وشها شحب.
ولا أنا اتكلمت.
ولا هي.
خمس سنين غيروها.
ظهر حوالين عينيها خطوط بسيطة ماكنتش موجودة قبل كده، وشعرها بقى أقصر.
بس لسه عندها نفس حواجب ندى.
ونفس الدقن الرفيعة.
ونفس الحركة اللي كانت ندى بتعملها لما تتقفش في حاجة وماتبقاش عارفة تقول إيه.
بصيت عليها.
وبعدين بصيت على ندى.
الليلة دي ندى كانت لابسة بلوزة خضرا ناعمة.
وأنا قبل ما أخرج، كنت ملبسها قميص نوم أبيض.
وعلى التسريحة…
كانت زجاجة البرفان.
والغطا الفضي بتاعها محطوط جنبها.
قلت
سلمى.
قالت بسرعة
أنا أقدر أشرح.
قلت ببرود
ياريت.
بصت لندى قبل ما تبصلي
أنا كنت فاكرة إنك في القاهرة.
قلت
وأنا كنت فاكر إن مفيش حد بيدخل بيتي بالليل.
ملامحها اتشدت.
كنت عايز أتعصب.
ولأسابيع أنا كنت مرعوب من احتمالات كل يوم أغرب من اللي قبله.
كنت بقفل الشبابيك مرتين قبل ما أنام.
غيرت كالون الباب الخلفي.
ووصل بيا التفكير إني يمكن بدأت أفقد عقلي من كتر الحزن.
وفي الآخر…
أخت مراتي كانت داخلة خارجة من بيتي من غير ما أعرف.
سألتها
بتدخلي إزاي؟
وطت عينيها
من باب المطبخ.
باب المطبخ مقفول.
معايا مفتاح.
قلت
إنتي ماعندكيش مفتاح.
فتحت شنطتها وطلعت مفتاح وحطته فوق التسريحة.
عرفته فورًا.
الغطا المطاط الأزرق الباهت.
مفتاح ندى الاحتياطي القديم.
قالت
ندى ادتهولي من سنين… قبل الحادثة.
فضلت باصص عليه.
قلت
بقالك تلات شهور بتيجي؟
قالت
تقريبًا أربعة.
وإنتي اللي بتغيري هدومها؟
ساعات.
والبرفان؟
آه.
والبلوفر اللي كان متطبق؟
سلمى بلعت ريقها
آه.
المفروض الإجابات دي كانت تريحني.
لكن اللي حسيت بيه كان أعقد.
راحة مخلوطة بخيانة.
امتنان مخلوط بغضب.
قلت
ليه؟
سلمى بعدت الكرسي شوية عن السرير.
كأن المسافة بينا هتخلي الكلام أسهل
علشان كنت عايزة أشوف أختي.
قلت
كان ممكن تخبطي على الباب.
بصتلي
جربت مرة.
وفجأة افتكرت.
من خمس سنين.
كان يوم شتوي رمادي.
وماكنست فات على الحادثة سنة.
سلمى جت البيت ومعاها كيس من المخبز اللي ندى كانت بتحبه.
وأنا وقتها كنت بنام ساعتين أو تلاتة في اليوم بالعافية.
وأي حد كان يكلمني عن ندى كنت بحس إنه بيتهمني، حتى لو ماقصدش.
سلمى وقتها قالت يمكن الأفضل ننقل ندى لمركز تأهيل متخصص.
وأنا ما سمعتش من كلامها كله غير جملة واحدة
إنت مش هتقدر تعمل ده للأبد.
فطردتها.
بعدها بعتتلي رسائل.
ما رديتش.
وبعدين الرسائل قلت.
وبعد كده وقفت خالص.
قلت بصوت أهدى
أنا عارف إني ماكنتش سهل في الكلام وقتها.
قالت
لأ.
قالتها بهدوء.
وده خلّاها توجع أكتر.
قلت
بس ده برضه ما يفسرس إنك تتسللي بيتي.
بصت على ندى.
ماكنتش عايزة خناقة تانية.
فشايفة إن دخول البيت من غير إذن أحسن؟
قالت
جيت مرة. وبعدها المرة بقت اتنين.
مشيت لحد آخر سرير ندى.
البلوزة الخضرا اللي سلمى اختارتها كانت واحدة من البلوزات اللي ندى كانت بتحب تلبسها يوم الجمعة.
فاكر إني كنت برخم عليها وأقول لها
هو لازم كل حاجة عندك تتكوى؟
وكانت ترد
فيه ناس لسه مؤمنة إن الحضارة تستاهل نحافظ عليها.
بصيت لسلمى.
قلت
إنتي بتلبسيها هدومها القديمة.
آه.
ليه؟
ترددت.
وبعدين فتحت شنطتها تاني.
المرة دي طلعت نوتة صغيرة سودا.
فتحتها.
كانت الصفحات مليانة تواريخ وملاحظات.
قلت
إيه ده؟
قالت
حاجة كان المفروض أوريهالك من بدري.
بدأ صبري يخلص
سلمى.
رفعت عينيها وقالت
أنا شايفة إن ندى بتستجيب لبعض الحاجات.
كل الأفكار في دماغي وقفت.
قلت
إيه؟
قالت بسرعة
مش كل مرة. وأنا مش بقول إنها فاقت. أنا عارفة الدكاترة قالولك إيه، وعارفة قالولنا كلنا إيه. بس لما بدأت أجيلها، جبت لها حاجات كانت تعرفها.
زي إيه؟
موسيقى. برفان. حكايات. هدوم.
بصيت على زجاجة البرفان.
قلت
يعني البرفان ماكنش ليكي.
لأ.
إنتي اللي كنتي بترشيه.
على منديل. عمري ما رشيته عليها مباشرة.
ما رديتش.
فتحت النوتة.
قالت
23 مارس. شغلتلها الأغنية السخيفة اللي كانت بتحبها أيام الجامعة.
قلت
أنهي أغنية سخيفة؟ ما هي كان عندها كتير.
غصب عني كنت هبتسم.
كملت
جفونها اتحركت كذا مرة أثناء الكورس.
قلت
ده ممكن يحصل.
عارفة. الممرضين شرحولنا موضوع ردود الأفعال من سنين.
قلبت صفحة.
30 مارس. سألتها فاكرة لما بابا وقع ديك الرومي بتاع العزومة؟
افتكرت القصة.
أبو ندى فتح الفرن، فالديك الرومي وقع منه واتزحلق في المطبخ، والكلب عاش أسعد نص دقيقة في حياته.
قالت سلمى
تنفسها اتغير.
قلت
وده برضه ممكن يحصل.
عارفة.
قلبت صفحة تانية.
4 أبريل. مسكت إيدها وطلبت منها تضغط على إيدي.
قلبي بدأ يدق أسرع.
قالت
ما عملتش حاجة.
وللحظة حسيت براحة، وكرهت نفسي على الإحساس ده.
لكن سلمى كملت
بس لما قلتلها ندى، لو سامعاني حركي صباع الإبهام… أنا حسيت إنه اتحرك.
قلت
إنتي حسيتِ.
قالت
آه.
وبقالك شهور مستنية أي علامة.
رفعت عينيها
وإنت كمان.
الكلمة نزلت بينا بهدوء.
لفيت وشي.
كانت عندها حق.
سنين وأنا بدرب نفسي ما اعتبرش كل حركة معناها حاجة.
لأن الأمل لما يبقى من غير مكان يروح له، بيتحول لعذاب.
في الأول، كانت عيني ندى تفتح فجأة.
وكنت أقول لنفسي إنها بتبصلي.
الدكاترة قالوا دي دورات نوم وصحيان.
كان فمها يتحرك أوقات، وأتخيل إنها بتحاول تتكلم.
قالوا رد فعل لا إرادي.
ومع الوقت…
كان لازم أتعلم الفرق بين اللي نفسي يكون حقيقي واللي حقيقي فعلًا.
قلت
كان لازم تقوليلي.
قالت
كنت خايفة تقول إني بتخيل.
غالبًا كنت هقول.
عارفة.
بصيت لندى.
قلت
مدام سامية تعرف؟
لأ.
أي دكتور؟
لأ.
يعني كله مبني عليكي إنتي.
قالت
آه. علشان كده فضلت أجيلها. كنت عايزة يبقى عندي ملاحظات كفاية قبل ما أقول حاجة. مش مجرد إني نفسي أصدق.
قفلت النوتة.
مسحت وشي بإيديا.
جزء مني كان عايز يطرد سلمى.
وجزء تاني كان عايز يقعد من التعب.
لكن الجزء اللي جوايا كزوج…
كان عايز حاجة واحدة.
قلت
وريني.
رفعت عينيها
إيه؟
اللي بتعمليه. وريني.
رجعنا الكرسي جنب ندى.
فضلت دقايق ماعملتش حاجة مميزة.
ظبطت الغطا.
شالت خصلة شعر من على جبين ندى.
وبعدين قربت منها.
وقالت
يا نودي…
الاسم ده ماكانش حد بينادي ندى بيه غير سلمى.
محمود موجود معانا النهارده.
كنت واقف جنب التسريحة، ضامم دراعاتي.
ابتسمت سلمى
شكله متعصب، يعني الدنيا رجعت طبيعية.
مفيش حاجة حصلت.
صوت الجهاز مستمر.
المضخة بتطقطق.
سلمى جابت المنديل اللي عليه البرفان وخلته بعيد شوية عن ندى.
وقالت
فاكرة الريحة دي؟
مفيش حاجة.
حطته.
ومسكت إيد ندى اليمين.
يا نودي… لو سامعاني، إنتي عارفة تعملي إيه.
استنينا.
ولا حاجة.
عشر ثواني.
عشرين.
تلاتين.
طلعت نفسي.
قلت
سلمى…
وفجأة…
إبهام ندى اتحرك.
حركة صغيرة جدًا.
تكاد تكون رعشة.
بس أنا شفتها.
وسلمى شافتها.
ولا واحد فينا اتحرك.
همست
ممكن تبقى حركة لا إرادية.
قالت
آه.
عينيها دمعت، لكن صوتها فضل ثابت
علشان كده ما بوقفش من أول مرة.
قربت أكتر.
وقالت
نودي… اعمليها تاني.
مفيش حاجة.
الإحباط جه جوايا بسرعة لدرجة إني اتكسفت منه.
لكن سلمى غيرت السؤال.
قالت
ندى، لو محمود واقف جنبي وبيعمل فيها عنيد كالعادة… حركي إبهامك.
بعدها كنت أقسم إن سلمى قالت الجملة دي علشان عارفة إنها حاجة ندى كانت هتضحك عليها.
لكن وقتها كنت هقول لها إن الطريقة دي مش عادلة.
وفجأة…
إبهام ندى اتحرك تاني.
المرة دي ببطء.
وبوضوح.
مسكت نقطة التسريحة بإيدي.
سلمى بصتلي.
ولا واحد فينا قال كلمة.
فاقت.
كنا خايفين نقولها.
الجزء الثالث والأخير
تاني يوم الصبح، كلمت دكتور المخ والأعصاب المتابع لحالة ندى.
اسمه بقى دكتور شريف علام.
كان متابعها بقاله أربع سنين، رغم إن الزيارات في آخر فترة بقت مجرد مراجعات سنوية.
حكيتله اللي حصل.
وكان حذر جدًا.
قال
الحركة المتكررة بناءً على أمر

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *