مراتي كانت في غيبوبة

حكايات رشا

أنا عمري ما سمعته. وفي بيت أمها… كان فيه صندوق ممكن يكون جواه الإجابة. بيت أم ندى كان على بعد حوالي أربعين دقيقة من عندنا. طول الطريق، أنا وسلمى ما اتكلمناش تقريبًا. كنت سايق، وعيني على الطريق، لكن دماغي كانت في مكان تاني خالص. صندوق. مجرد صندوق قديم في بيت حماتي. بس جواه ممكن يكون آخر قرار أخدته مراتي قبل الحادثة. قرار ما سمعتوش. وكل ما قربنا من البيت، كنت حاسس إن الست سنين اللي فاتوا كلهم راكبين معايا في العربية. وصلنا قبل المغرب بشوية. نفس البيت. نفس الشجرة الكبيرة قدام الباب. نفس الشباك اللي ندى كانت دايمًا تقف عنده لما نزور أهلها. نزلت من العربية. لقيت الباب اتفتح قبل حتى ما نوصل له. كانت واقفة هناك. مدام فاطمة… أم ندى. كبرت. أكتر بكتير مما توقعت. شعرها بقى أبيض تقريبًا، ووشها خسر الاستدارة اللي كنت فاكرها. لكن أول ما شافتني… ما قالتش حاجة. فضلت تبصلي. وأنا كمان. خمس سنين من الخصام كانوا واقفين بينا عند باب البيت. سلمى قالت بهدوء ماما… فاطمة رفعت إيدها. وبصتلي وقالت ندى عاملة إيه؟ السؤال ده كسر حاجة جوايا. لأن رغم كل اللي حصل… هي سألت على بنتها الأول. قلت الدكاترة شايفين إن عندها درجة وعي. إيديها اترعشت. يعني إيه؟ قلت يعني ممكن تكون سامعانا. ممكن تكون فاهمة جزء من اللي حواليها. فاطمة غطت بقها بإيدها. ووقفت ثواني من غير صوت. وبعدين قالت يا رب. دخلتنا البيت. ماكانش فيه لوم. ولا خناق. ولا حتى كلام عن السنين اللي فاتت. يمكن لأن فيها حاجات بتصغر جدًا لما الأمل يدخل الأوضة. قعدت في الصالة. فاطمة اختفت دقايق. ورجعت شايلة صندوق كرتون متوسط الحجم. قديم. عليه شريط لاصق اصفر من الزمن. حطته قدامي. وقالت ده بتاعها. بصيت للصندوق. ما مدتش إيدي. سألت إنتي فتحتيه؟ قالت لأ. ليه؟ بصتلي باستغراب بسيط لأنه مش بتاعي. قلت بس ندى بقالها ست سنين… قاطعتني عارفة بقالها قد إيه. سكت. قالت كنت كل سنة أقول يمكن في يوم تصحى وتيجي تاخده بإيديها. سلمى نزلت عينيها. أنا فتحت الصندوق. أول حاجة لقيتها كانت مج صغير مكتوب عليه اسم الشركة اللي ندى كانت شغالة فيها. بعده مفكرة. صورتين ليا وليها. قلم فضي كنت جايبهولها في أول ذكرى جواز. وبعدين… مظروف أبيض. مكتوب عليه بخط ندى لمحمود لو ماعرفتش أقول الكلام ده. إيدي اتجمدت. سلمى خدت نفس طويل. فاطمة قامت من مكانها. قالت هسيبك تقراه لوحدك. لكن قلت لأ. بصتلي. قلت اقعدوا. فتحت المظروف. جواه ورقتين. خط ندى. نفس الخط اللي نسيت شكله من كتر ما بقيت أشوف اسمها مطبوع في تقارير المستشفى بس. بدأت أقرأ محمود… أنا عارفة إننا بنتخانق كتير الفترة دي، وعارفة إن كل واحد فينا حاسس إن التاني مش سامعه. إنت فاكر إني بطلب منك تضحي بشغلك علشاني. وأنا كنت فاكرة إنك رافض علشان شغلي أقل أهمية بالنسبالك. بس الحقيقة إني بدأت أفهم إننا الاتنين بنحاول نكسب نفس الخناقة بدل ما ننقذ نفس الجواز. وقفت. عيني بدأت تزغلل. كملت أنا قدمت استقالتي النهارده. لسه ماقولتلكش. مش علشانك. ومش علشان أثبت إني بحبك أكتر. أنا اكتشفت إني أصلًا مش عايزة الشغل ده زي ما كنت متخيلة. كنت متمسكة بيه لأني كنت خايفة أغير حياتي وأندم. بس أنا عايزة أبدأ حاجة جديدة. معاك. مش بعيد عنك. صوتي بدأ يختنق. سلمى كانت بتعيط. فاطمة بصت للأرض. كملت آخر سطور كنت ناوية أقولك بعد العشا. وأقولك كمان حاجة تانية. إحنا طول الوقت بنتكلم عن مستقبل كل واحد فينا لوحده. بس أنا عايزة مستقبل فيه إحنا. مش محمود. ومش ندى. إحنا. ولو اتخانقنا وإحنا راجعين البيت، وأنا اتعصبت، فكّرني إني كتبت الكلام ده. لأن غالبًا أنا هكون عنيدة كالعادة. بحبك. ندى. الورقة نزلت من إيدي. ماعرفتش أتكلم. آخر خناقة بينا… أنا عشت ست سنين فاكر إنها كانت آخر حاجة بينا. وفاكر إن ندى ماتت جوا الحادثة وهي زعلانة مني. لكن الحقيقة… إنها كانت راجعة معايا تقول إنها اختارتنا. غطيت وشي بإيديا. وقلت أنا ما ادتهاش حتى فرصة تقولها. فاطمة ردت بهدوء الحادثة هي اللي ما ادتهاش فرصة. بصيتلها. قالت مش إنت. سكتنا. وبعدها لأول مرة من خمس سنين، قالتلي محمود… أنا آسفة. قلت على إيه؟ قالت إني افتكرت إنك أخدت بنتي مني. قلت وأنا آسف إني فعلًا بعدتكم عنها. فاطمة بكت. وقالت إحنا كلنا كنا بنحاول نعيش. رجعنا البيت في نفس الليلة. الصندوق كان معايا. وأول ما دخلت أوضة ندى، حسيت إن كل حاجة مختلفة. قعدت جنبها. سلمى وفاطمة وقفوا بعيد. طلعت الرسالة. وقلت ندى… لقيت حاجة بتاعتك. مفيش حركة. قلت إنتي طلعتي مخبية عني قرار كبير يا ست ندى. سلمى ضحكت وهي بتعيط. قربت من ندى. قلت أنا قريت الرسالة. نفسها كان منتظم. قلت وعرفت إنك كنتي ناوية تختارينا. سكت لحظة. وبعدين قلت وأنا آسف إني فضلت ست سنين فاكر إن آخر حاجة بينا كانت خناقة. صوابع ندى ما اتحركتش. عينيها ما اتحركتش. لكن المرة دي… ماكنتش محتاج علامة. كملت أنا موجود. وفاطمة قالت من ورايا وإحنا كمان. الأيام اللي بعدها دخلت في نظام جديد. جلسات تأهيل. اختبارات. تمارين بسيطة. الدكاترة فضلوا حذرين. محدش وعدنا بمعجزة. كانوا بيقولوا أي تقدم بعد ست سنين لازم نقيسه بهدوء. وأنا اتعلمت ما أسألش كل يوم هتفوق إمتى؟ وبدأت أسأل سؤال تاني إيه اللي تقدر تعمله النهارده؟ أحيانًا كانت تبص ناحية الصوت. أحيانًا تحرك إبهامها. أحيانًا مفيش أي استجابة يوم كامل. وفي أيام تانية… كانت تبهرنا. بعد حوالي ثلاثة شهور، بدأوا يستخدموا معاها لوحة بسيطة. نعم ناحية اليمين. لا ناحية الشمال. في الأول، النتائج كانت غير ثابتة. لكن مع الوقت… بقت أوضح. وفي يوم، الدكتور شريف سالها ندى، اسمك ندى؟ عينيها راحت ناحية نعم. سأل سلمى أختك؟ نعم. محمود جوزك؟ نعم. قلبي وقف. الدكتور بصلي وقال ماتسألهاش حاجات عاطفية دلوقتي. طبعًا أول حاجة عملتها إني سألتها حاجة عاطفية. قربت. وقلت ندى… إنتي سامعاني من زمان؟ الدكتور كان هيوقفني. لكن عيني ندى اتحركت. ناحية… نعم. الأوضة كلها سكتت. حسيت رجلي ضعفت. قلت من إمتى؟ طبعًا ماكانش عندها طريقة تجاوب. بس السؤال اللي خوّفني أكتر خرج لوحده كنتي سامعاني وأنا بكلمك؟ نعم. دموعي نزلت. ضحكت وسط العياط. قلت حتى روايات البوليس السخيفة؟ فضلت عينيها ثابتة. قلت دي المفروض لا يا ندى. سلمى انفجرت ضحك. وفجأة… حصل شيء صغير. زاوية فم ندى اتحركت. الدكتور قرب فورًا. كلنا سكتنا. الحركة كانت خفيفة جدًا. لكنها كانت شبه… ابتسامة. بعد ست شهور من أول ليلة شفت فيها سلمى من الشباك، ندى قدرت تنطق أول صوت مفهوم. ماكانش اسمي. ولا اسم أختها. ولا اسم أمها. كنت واقف جنبها، وهي في جلسة تخاطب، والأخصائية كانت بتحاول تخليها تشكل كلمات بسيطة. ندى أخدت نفس متقطع. فتحت بقها. وحاولت. مرة. اتنين. تلاتة. وبعدين قالت بصوت ضعيف جدًا ما… كلنا قربنا. الأخصائية قالت حاولي تاني. ندى حركت شفايفها. وقالت مح… أنا بدأت أعيط قبل ما تكمل. وبعد مجهود كبير… قالت محمود. حطيت إيدي على بوقي. وقلت أنا هنا. ندى بصتلي. وبعدها دقايق، قالت كلمتين غيروا الست سنين كلها. بصوت مكسور وبطيء كنت… سامعاك. ماقدرتش أرد. قعدت جنبها ومسكت إيدها. وقالت بعد وقت طويل كله. ضحكت وأنا بعيط. قلت كله؟ حتى لما كنت بشتم الجيران؟ زاوية فمها اتحركت. وبصعوبة قالت خصوصًا… الجيران.
سلمى خرجت من الأوضة وهي بتضحك وتعيط في نفس الوقت. لكن كان فيه سؤال لازم أسأله. استنيت يومين. لحد ما كانت ندى مرتاحة. وقعدت جنبها. قلت ندى… الرسالة اللي في الصندوق. عينيها اتغيرت. قلت كنتي ناوية تسيبي الشغل؟ هزت عينيها ناحية نعم. قلت وكنتِ ناوية تقوليلي إنك عايزة نبدأ من جديد؟ نعم. بلعت ريقي. قلت لسه عايزة ده؟ المرة دي، ندى ما بصتش على اللوحة فورًا. فضلت بصالي. ثواني طويلة. وبعدين حركت عينيها ناحية نعم. بس بعدها رجعت بصتلي. وحاولت تتكلم. طلعت الكلمة بصعوبة بس… قربت بس إيه؟ قالت مش… زي… زمان. في اللحظة دي فهمت. أنا طول الست سنين كنت مستني ندى ترجع. نفس ندى. نفس البيت. نفس الجواز. نفس الحياة. لكن مفيش حد بيرجع من ست سنين زي ما كان. ولا هي. ولا أنا. قلت مش لازم. عينيها دمعت. قلت نبدأ من جديد. من الصفر لو لازم. بعد سنة من الليلة اللي رجعت فيها البيت من غير ما حد يعرف، ندى ماكنتش ماشية. ماكنتش رجعت لحياتها القديمة. وكان كلامها لسه بطيء، وحركتها محدودة، وكانت محتاجة مساعدة في أغلب حاجاتها. لكنها كانت موجودة. بإرادتها. بصوتها. بعينيها. بسخريتها اللي رجعت شوية شوية. وفوق كل ده… عيلتها رجعت. فاطمة بقت تيجي كل سبت. سلمى بطلت تدخل بالمفتاح القديم، رغم إني قلتلها تحتفظ بيه. ومدام سامية كانت كل ما تشوفنا كلنا متجمعين تقول أخيرًا بقيتوا عيلة طبيعية. فأقول إحنا عمرنا ما كنا طبيعيين. فترد ندى بصوتها الضعيف صح. وفي ليلة، كنت بساعدها تستعد للنوم. طلعت الكارديجان الأزرق اللي كنت بكرهه. قلت فاكرة ده؟ هزت راسها. قلت بسبب البلوزة دي أنا افتكرت إن البيت فيه عفريت. ضحكت. ضحكة صغيرة. ضعيفة. بس حقيقية. وبعدين قالت سلمى… غبية. صرخت من الصالة أنا سامعاكي! ندى ضحكت أكتر. مسكت إيدها. وبصيت حواليّ. نفس الأوضة. نفس الأجهزة تقريبًا. نفس البرفان فوق التسريحة. لكن البيت ما بقاش ريحته مستشفى. بقى ريحته بيت تاني. بيت ناس اتكسروا… واتعلموا يرجعوا لبعض بشكل مختلف. وققبل ما أطفي النور، ندى شدت صباعي بإبهامها. الحركة اللي بدأت منها الحكاية كلها. بصيتلها. قالت ببطء ما… تروحش. قعدت جنبها. وقلت مش رايح في حتة. ولأول مرة من ست سنين… ماكنتش بقولها لزوجة ساكتة مستني إنها تسمعني. كنت بقولها لندى. وهي… كانت سامعاني فعلًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *