مراتي بقلم ضحى ٢

صحيت الساعة 4:30 الصبح على صوت خبط منتظم على درفة الشباك.. فتحت عيني بالعافية، لقيت خالها واقف بره الشباك ومسك بايده الخرطوم!
– يلا يا عريس! الشمس هتطلع والبرطمانات مستنية المية والخل!
قمت زي القتيل، مش قادر أفرك عيني حتى. خرجت للحوش، لقيت مراتي واقفه ومجهزة البرطمانات الفخار الكبيرة ومبتسمة ابتسامة فيها كمية تشفي مش طبيعية.
مسكت البرطمانات، وبدأت أغسل واشطف وأمسح، والخل ريحته طارت في مناخيري.. وأنا شغال، حمايا خرج وهو شايل الراديو الصغير وبيدندن مع أم كلثوم، وقعد على الدكة وطلّع علبة سجائره وقالي:
– الجدعنة مش بس إنك تعمل الحاجة، الجدعنة إنك تتسلمها وتصونها يا بني.. أهو إنت كده عرفت قيمة البرطمان ده من ساعة ما كان لبن في الضرة لغاية ما بقى سمنة مقدوشة!
خلصت غسيل وتنشيف البرطمانات، وجابوا حلة السمنة الدافية اللي باتت طول الليل تسقع وتظبط.. مسكت المغرفة الكبيرة، وبدأت أصب بالراحة وبحذر شديد في البرطمانات الفخار.. نقطة واحدة تقع خارج البرطمان كانت بتقابلها شهقة جماعية من العيلة كلها وكأني دايس على لغم!
وبعد ساعة من التركيز الشديد اللي يعادل تركيز جراح في عملية قلب مفتوح، اتقفلت البرطمانات واتغطت بالقماش الأبيض المربوط بالدوبارة.. وبقت مصفوفة قدامي زي السبائك الدهبية.
اتنفست الصعداء، ومسحت العرق من على وشي وقلت بانتصار:
– بس! كده السمنة اتسيحت، واتصبت، واتشالت في البرطمانات بعرق جبيني ومجهودي.. أظن كده الحساب بيصفى؟
خالها مسك البرطمانات وحطها في كراتين مقواة، وحطها في شنطة عربيتي بمنتهى الحرص وكأنها شحنة يورانيوم مشحونة..
ورجعت لمراتي وقلت لها وأنا بضحك بقلة حيلة:
– ها يا ستي؟ رضيتي عني؟ نرجع بقى القاهر ونقفل الصفحة دي خالص؟
مراتي بصتلي، ولأول مرة من أسبوع تقرب مني وتطبيل على كتفي بحنية وقالت:
– بصراحة يا حبيبي إنت أثبت إنك جدع واستحملت كتير.. يلا بينا نرجع.
سلمنا على العيلة كلها، والجدة دعتلي دعوة حلوة وأداتني حتة فطيرة مشلتتة في إيدي للسكّة، وركبنا العربية وأنا حاسس إني بطل قومي راجع من جبهة القتال بعد ما أديت واجبي وزيادة!
طول الطريق وأنا ببتسم وببص للكراتين في الكنبة الورانية وأقول لنفسي: “أخيراً.. الكابوس انتهى والبيت هيرجع هادي زي زمان!”



