أمي كانت جاية تزورني حكايات زهرة ٢

وقفنا بالسيارة أمام منزل أخي سيد، حيث استقررنا أنا وأمي المكسورة وعماد الذي كان وجهه يحمل إرهاق السنين ووجع اللحظات الأخيرة. دخلنا بأمي وأدخلناها غرفة المعيشة، وساعدناها على الاستقرار في السرير بكل رفق وحنان، بينما ظل أخي سيد يقدم لعماد الشاي ويشكره بتقدير كبير على موقفه الرجولي الذي أنقذ ما يمكن إنقاذه. لكن عماد لم يكن معنا كلياً؛ كانت عيناه زائغتان، وعقله مشغولاً بتلك الشقة التي تركناها وراءنا في بيت العيلة، وبذلك الوجه المشتعل لـ “أم عماد” وهي تخرج من المستشفى مهددة متوعدة.
وقف عماد فجأة وقال بصوت مشدود:”أنا لازم أطلع على الشقة دلوقتي يا سيد.. الولاد نايمين فوق لوحدهم، وكمان لازم أجيب هدوم ليا أنا ونبيلة قبل ما الدنيا تليل، وأشوف قفل الشقة لأن أمي كانت معاها نسخة احتياطية.”حاولتُ أن أمنعه من القلق وقلت بصوت مرتجف:”استنى يا عماد للصبح.. البات في البيت لوحدك في التوقيت ده مش طمني، وخلينا نروح كلنا بكرة.”هز عماد رأسه برفض قاطع وقال: “لازم أطمن على الولاد يا نبيلة، مش هقدر أنام وعياري في الشقة دي.. ثلث ساعة بالكتیر وأكون عندكم.”خرج عماد من منزل أخي، ومرت الدقائق بطيئة وثقيلة كأنها دهور.
كنت أساعد أمي وأنا أهدي من روعها، لكن قلبي كان ينبض بعنف غير مبرر، شعور بالرعب والخوف ينهش في صدري. وبعد مضي نحو نصف ساعة، سمعنا صوت باب شقة أخي سيد يخبط بعنف، تلاه صوت خطوات سريعة ومرتجفة تقترب من الباب. فتح أخي سيد الباب بسرعة، لنفاجأ بعماد واقفاً على الإطار، وقد فقد لونه تماماً، وعيناه جاحظتان كمن رأى شبحاً، وتنفّسه عالٍ وسريع لدرجة أنه كاد يختنق!هبّ أخي سيد فجأة وندفعه للداخل وهو يسأله بذعر:”في إيه يا عماد؟
ا
! مالك؟ الولاد جرالهم حاجة؟!”عماد لم يطق النطق بكلمة، بل دخل وسقط على أقرب كرسي وهو يلهث بجهد، ورفع يده ليشير لنا أن الأولاد بخير، ثم نظر إليّ بعيون تملؤها الصدمة المرعبة وقال بصوت خافت مرجف:”الولاد.. الولاد كانوا نايمين في سريرهم سالمين.. بس.. بس الشقة.. الشقة يا نبيلة مسحوبة تماماً!”سألتُه وأنا غير مصدقة:”يعني إيه مسحوبة؟! قصدك إيه؟!”وقف عماد على رجليه بصعوبة بالغة وقال بنبرة مليئة بالرعب:”أنا طلعت المفتاح في قفل باب الشقة، لقيته بيلف فاضي.. حد كان فاتح الباب من جوه ومأمن الزرار. خبطت كتير لحد ما حمزة ابني صحى وفتحلي وهو بيعيط وخايف.




