أمي كانت جاية تزورني حكايات زهرة ٢

“تقدم منها ضابط الشرطة بحزم، وأشار للشرطي المرافق له قائلاً:”حاجة أم عماد.. اتفضلي معانا بهدوء على القسم. محضر إتلاف ممتلكات، وترويع، وكمان بلاغ رسمي من ابنك بالتزوير وإخفاء مستندات ميراث وسرقة حقوق الورثة!”وقفت أم عماد مذهولة، وامتنع الكلام في حلقها، وسقط الملف من يدها المرتعشة على الأرض وهي ترى الحلم الذي بنته من الأكاذيب يتهاوى أمام عينيها في ثوانٍ معدودة. نظرت إلينا بنظرة مليئة بالخزي والإنكسار، وقالت بصوت مكسور:”بتبيع أمك عشان حتة ورقة يا عماد؟
!”نظر إليها عماد بعيون ملؤها الدموع والوجع وقال لها بصوت هادئ وموجع:”أنا مبعتش أمي يا اما.. أمي هي اللي باعتني من زمان، وباعت أمانة أبويا وأخواتي عشان طمع الدنيا.. والباقي كله كان تمثيلية رخيصة.”أخذتها الشرطة ونزلنا جميعاً خلفها، وتركنا بيت العيلة وراءنا وهو يغلق أبوابه على أسرار مظلمة انتهت إلى غير رجعة. وفي اليوم التالي، بدأت إجراءات استرداد حقوقنا القانونية، وجلسنا في شقتنا الجديدة المؤقتة نلتقط أنفاسنا بعد رحلة طويلة من العذاب والجهل والطمع.
لكن الأيام خبأت لنا مفاجأة أخيرة وغير متوقعة بالمرة، مفاجأة لم تكن في الحسبان ووقعت يوم خروج أم عماد من السجن بكفالة، حين جاءتنا لتفعل شيئاً لم يكن يخطر على قلب بشر!مرت أسابيع صعبة وثقيلة مليئة بالتحقيقات والمحاضر في قسم الشرطة، وعماد كان يحاول بكل طاقته أن يعيد الحقوق لأصحابها، ويقسم ميراث بيت العيلة بين عمه وأخواته البنات بالعدل، ليرفع عن كاهله وزر ظلم طال لسنين.
أما “أم عماد”، فبعد أيام قضتها في الحجز وتحت ذمة التحقيق بتهم إخفاء المستندات وإتلاف ممتلكات، حصلت على إخلاء سبيل بكفالة لحين استكمال المحاكمة، نظراً لكبر سنها. توقعنا جميعاً أن تخرج من القسم أكثر عناداً وغضباً، أو أن تذهب لتهددنا مجدداً بالأسحار والخرافات التي لم ترتوي منها أبداً. لكن ما حدث يوم خروجها كان درساً قاسياً لم يكن أحد منا يتوقعه.
كنت جالسة في شقتنا الجديدة مع أمي التي بدأت تتحسن بفضل الله ويقترب موعد فك الجبس عن رجلها، وفجأة سمعنا صوت طرقات خفيفة ومترددة على باب الشقة. استغربنا التوقيت، ووقف عماد لفتح الباب، ليفاجأ بـ “أم عماد” واقفة على العتبة!كانت تبدو منكسرة، عجوزاً ضعيفة تتكئ على عصاها، وقد تساقط غرورها وعلت وجهها تجاعيد الندم الحقيقي. وقفت تنظر لعماد بعيون دامعة، وقالت بصوت مكسور يخلو من أي جبروت:”مساء الخير يا عماد.





