أنا كنت بنضف حكايات زيزي ١

هى كانت طالبانى أرجع كحاجة تانية خالص

مسكت طرف الورقة بأصابع مرتعشة، وعيني مش قادرة تستوعب السطور الأولى.
ما كانش شيك ولا كانت فلوس في ظرف.

كانت أوراق رسمية… شهادة سندات استثمارية، وأوراق تسجيل باسم بنتي، ومجموع المبالغ المكتوبة فوق كان يغطي مصاريف كليتها الأربعة بالكامل، وزيادة عليهم إيجار سنة لمكان قريب من جامعتها.

صوتي اختفى، حست إن الهوا انسحب من الأوضة، وبصيت للست وأنا مش قادرة أجمع كلمة واحدة.

هي قعدت جنبي على الكرسي الخشب القديم، وحطت إيدها على كتفي بهدوء وقالت:

“أنا عارفة إني بالنسبة لك كنت مجرد ست كبيرة عايشة لوحدها، بتديكي فلوس كل خميس وبتسيبك تشوفي شغلك. بس أنتِ من ثمان سنين، لما دخلتي البيت ده لأول مرة وكانت عينك بترف من القلق وبصي كل شوية في ساعتك عشان تلاحقي بنتك… أنا شفت نفسي فيكي.”

سكتت لحظة، وبصت للحيطان الفاضية اللي صوت الرنين طالع منها، وتابعت بصوت أعمق:

“من أربعين سنة، جوزي سابني وأنا معايا بنت عندها نفس سن بنتك. كنت بشتغل في ثلاث بيوت في اليوم، وكنت ببكي في العربيات وأنا رايحة من بيت لبيت عشان مش عارفة هجيب مصاريف مدرستها منين الشهر الجاي. لما شفت إعلانك المكتوب بالإيد على عمود النور في الشارع، افتكرت الإعلان اللي أنا كتبته بإيدي من أربعين سنة. أنا ما كنتش بس شغلاكي عندي… أنا كنت بمشي معاكي خطوة بخطوة في نفس الطريق اللي مشيته قبل كده.”

دموعي نزلت من غير ما أحس، والظرف في إيدي كأنه وزنه جبل.

“يا هانم… أنا… أنا ما أقدرش أقبل ده…”

ابتسمت ابتسامة دافية وقاطعتني بثبات:

“أولاً، اسمي نادية، مش ‘يا هانم’. وثانياً، ده مش إحسان ولا حسنة يا أمل. الفلوس دي جزء من صندوق استثمار صغير أنا عملته باسم بنتك من ثاني سنة اشتغلتي فيها معايا. كل خميس، كنت بحط جزء بسيط جداً من اللي ربنا رزقني بيه في الحساب ده. كنت كل ما أشوفك جاية في المطر، أو وأنتِ تعبانة ورافضة تقعدي، أقول لنفسي: البنت دي لازم تطلع للمستقبل وهي واقفة على أرض صلبة، مش بتصارع الزمن زي ما إحنا صارعناه.”

مسحت دموعي بطرف البلوزة اللي كنت شايلاها للمناسبات، وبصيت للأوراق تاني.

وقفت نادية وفتحت الدرج الصغير تاني، وطلعت منه ألبوم صور قديم، جلدته متهالكة.
فتحته على صفحة فيها صورة لست شابة واقفة في مطبخ شبه مطبخها ده، ماسكة جردل ومسّاحة، وجنبها بنت صغيرة بتلعب على الأرض.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *