أنا كنت بنضف حكايات زيزي ١

كانت بتسمعني باهتمام حقيقي، كأنها أخت كبيرة بتسمع لأختها الصغرى.
وفجأة، اتسمع صوت خبط قوي على الباب الخارجي.
نادية قامت بالراحة وقالتلي: “ده أكيد بتوع العفش رجعوا عشان ياخدوا آخر كراتين والترابيزة والكرسيين دول.”
فتحت الباب، ودخل شابين شايلين شريط تغليف وكراتين فاضية.
بدأوا يلموا بقية الحاجات من الطرقة.
وقف واحد منهم عند ترابيزة المطبخ اللي كنا قاعدين عليها وسمح لنفسه يقول: “يا هانم، الترابيزة دي والكرسيين هنحملهم دلوقتي على العربيات، فاضل حاجة ثانية هنا؟”
نادية بصت للترابيزة، وبعدين بصتلي وقالت للشاب:
“لا، الترابيزة دي مش طالعة معانا على العربية.”
الشاب استغرب: “أمال هتروح فين؟”
نادية شاورت عليا وثبتت نظرتها عليه بثقة: “الترابيزة دي والكرسيين رايحين مع الأستاذة أمل.. حملوهم في عربيتها هي.”
أنا اتسمرت مكاني.
الترابيزة دي كانت شاهدة على كل ساندوتش أكلته بسرعة وأنا واقفة، وعلى كل لحظة تعب حسيتها في البيت ده.
طلبت منها بذهول: “يا ست نادية.. ما ينفعش، دي حتة من بيتك القديم، ذكرياتك أنتِ وعيلتك!”
نادية قربت مني وحطت إيدها على كتفي وقالت بنبرة حنونة بس حاسمة:
“الترابيزة دي اتقال عليها كلام كتير حلو النهارده، واتجمعت عليها روحين طالعين من نفس الوجع. الترابيزة دي مش مكانها المطبخ الجديد بتاعي.. مكانها عندك في بيتك، عشان تقعدي أنتِ وبنتك عليها وتتكلموا عن المستقبل.”
العمال حملوا الترابيزة والكرسيين ونزلوا بيهم على عربيتي الكركوبة اللي كانت مركونة بره.
الكنبة الوراانية اللي كنت مفضياها الصبح عشان أخد شوية هدوم أو مواعين قديمة، أخدت الترابيزة والكرسيين بالضبط كأن المكان كان متقاس عشانهم من الأول.
رجعت نادية للبيت الفاضي تماماً.
وقفنا في نص الصالة، ما بقاش فيه غير الأبواب المقفولة وشباك واحد يدخل منه ضوء الشمس.
قربت منها وحضنتها للمرة الثانية، والمرة دي الحضن كان أطول وأعمق.
وقلت لها بصوت مبشوح: “أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. الفلوس والجامعة والترابيزة.. كل ده كتير أوي عليا.”
نادية هزت رأسها بابتسامة دافية وقالت:
“أفضل طريقة تشكريني بيها يا أمل.. إنك تروحي للبيت، وتسلمي لي على بنتك، وتخليها تذاكر وتجيب المجموع اللي بتحلم بيه. مش عايزة منك غير إنك تكوني بخير.”



