بنتي الوحيدة حكايات زهرة ٢

نزلت الشارع الجانبي وأنا بتدارى في الضلمة، قلبي يسبق رجلي، أتنفس بصعوبة والجلباب بيتلف حوليا. جريت على أقرب شارع رئيسي، وركبت أول تاكسي قابلني، وقلت للريس بصوت مرعوب بس مصمم:
— على مبنى الأمن الوطني والنائب العام فورًا يا أستاذ!
سائق التاكسي بصلي في المراية بذهول لما شاف منظري ودموعي، بس داس بنزين وطار بالعربية.
وصلت المبنى ورسيت هناك، وبمجرد ما دخلت وطلبت مقابلة المفتش المسؤول، وسلمته الفلاشة والمذكرات وحكيت له على اللي حصل في الشقة والناس اللي بيتي، حالة طوارئ اتعلنت في المبنى كله في أقل من عشر دقائق!
شفت ريهام في المنام تانية… بس المرة دي مكانتش دبلانة ولا كان بقها فاضي. كانت لابسة فستان أبيض ينور في الضلمة، أسنانها متراصة كاللؤلؤ، وابتسامتها تملأ وشها، وفي إيدها طبق أكل مليان. وأول ما شافتني قربت مني، باست إيدي وقالتلي بصوت صافي يفيض بالسلام:
— شكرًا يا أمي… أنا دلوقتي شبعت، ومرتاحة.
صحيت من النوم والدموع مالية عيني، بس المرة دي مكانتش دموع حسرة ولا قهر، كانت دموع راحة وأمل. شفت بنتي مرتاحة وشبعانة وابتسامتها منورة، وده كان أكبر دليل إن حقها استريح في تربتها.
أنا بقيت قاعدة في بيتي الفاضي، بس المكان ما بقاش موحش زي الأول. صورة ريهام وهي بتضحك كعروسة بقت منورة الصالة، وكل ما أبص لها أحس إنها معايا في كل لحظة.
وفي يوم من أيام الجمعة المباركة، وأنا قاعدة بقرأ سورة يس وبدعي لبنتي بالرحمة، سمعت جرس الباب يرن. قمت فتحت، لقيت واقف قدامي شاب في الثلاثينات من عمره، ملامحه هادية وبسيطة، ومسك في إيده شنطة ورقية صغيرة وبيصلي في الأرض بأدب.
بصيت له باستغراب وقلت له:
— أيوه يا بني؟ أؤمر، بتدور على حد؟
الشاب رفع رأسه وبصلي بعيون مليانة تأثر، وقال بصوت خفيض:
— حضرتك والدة الشهيدة ريهام؟
قلت له ونبرة صوتي اتغيرت:
— أيوه يا بني، أنا أمها.. خير؟ أنت مين؟
اتنهد الشاب وقال:
— أنا اسمي كريم يا طنط.. أنا المهندس اللي كان شغال مع ريهام في نفس الشركة. أنا آسف إني جيت لحضرتك بدون ميعاد، بس كان لازم أجيلك.. في أمانة ريهام سابتهالي قبل وفاتها بيومين، وقالتلي لو حصلي أي حاجة، وما قدرتش أرجع الشغل، سلم الأمانة دي لأمي بإيدك شخصيًا ومحدش يعرف عنها حاجة!
قلبي دقاته سارعت، وحسيت إن شريط الذكريات والحلم بيرجع يلف تاني.. أمانة إيه تاني اللي ريهام سابتها عند زميلها؟ ومروان هل كان عارف بالأمانة دي ولا لأ؟





