بنتي الوحيدة حكايات زهرة ٣

طوال الطريق إلى تلك القرية النائية، كانت ضربات قلبي تتسابق مع سرعة الميكروباص المتهالك الذي يستحث السير وسط طرق ترابية مظلمة. العلبة الخشبية كانت بين أحضاني، أعتصرها بقوة كأنها الجزء المتبقي من روح ريهام. كان كريم يجلس بجواري، وعيناه تترقبان الطريق بوجل وتركيز، بينما هاتف المفتش في جيبه مفتوح على خط ساخن مع قوة الدعم التي كانت في الطريق.

المزرعة كانت تبدو من الخارج كأنها حصن منيع يحجب ما بداخلها عن أعين العالم، لكن الضوء الخافت المنبعث من نوافذ الملحق الداخلي والأصوات المكتومة للسيارات القادمة من الخلف تؤكد أن المكان يعج بالحركة والأسرار.

وقف كريم بالميكروباص على مسافة آمنة بين الأشجار الكثيفة، ونظر إليّ بقلق:

— يا طنط، القوة الأمنية على بعد دقائق، الأفضل ننتظر هنا لحد ما يقتحموا المكان.

نظرت إليه بصرامة وصوت خرج من أعماق ألمي:

— مش هقدر أقعد ثانية واحدة يا كريم، وده الساعات الأخيرة اللي ممكن ابن بنتي يضيع فيها! لو أحسوا بقدوم الشرطة ممكن يهربوا بيه أو يؤذوه.. أنا هدخل بصفتي ست كبيرة غريبة بتدور على مساعدة، وأنت ادخل ورايا من السور الخلفي زي ما اتفقنا.

ترجلت من السيارة، بخطوات ثقيلة ولكن متماسكة. اقتربت من البوابة الحديدية الضخمة للمزرعة، وضغطت على الجرس القريب. بعد لحظات، فتح شباك صغير في البوابة، وظهر وجه رجل جهم الملامح، تتطاير من عينيه الشكوك والشر.

صرخ بحدة:

— أنتِ مين يا ست أنتِ؟! وجاية هنا في وقت زي ده تعملي إيه؟ المكان ده ملكية خاصة!

تظاهرت بالضعف والانكسار، وانحنيت كأنني امرأة عجوز أضلت طريقها في الظلام:

— يا بني الحقني، العربية عطلت بينا على الطريق الرئيسي وسبت ابني بيحاول يصلحها وجيت أدور على مية أو حد يساعدنا.. أرجوك يا بني أنا ست كبيرة ورجلي مش شيلاني.

نظر الرجل إليّ بقلة صبر، ثم التفت للداخل وكلم شخصًا آخر بصوت خفيض، وقبل أن يرد، سمعت صوت بكاء طفل صغير يأتي من أعماق الملحق الداخلي… بكاء خافت ومتقطع ينبض بالخوف والوحدة!

في تلك اللحظة، لم تعد هناك رحمة أو انتظار في جسدي. لم تكن هذه مجرد صرخة طفل غريب، كانت صرخة ابن ريهام، صرخة الجينات التي تجري في دمي!

زقيت البوابة بقوة غير متوقعة قبل أن يستوعب الرجل الحارس. صرخ فيّ وحاول إمساكي، لكن في تلك اللحظة بالضبط، قفز كريم من أعلى السور الجانبي واشتبك معه ليفتح لي الطريق!

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *