بنتي الوحيدة حكايات زهرة ٣

جريت في الممر المؤدي للملحق الداخلي، وأنا أصرخ بأعلى صوتي:
— يا يونس! يا ابن ريهام! أنا تيتة يا حبيبي.. أنا جيتلك!
فتحت باب الملحق بقوة، لأجد أمامي مشهدًا يقشعر له الأبدان: صالة واسعة مليئة بصناديق خشبية وأجهزة اتصالات حديثة، وامرأة قاسية الملامح تصطحب طفلًا صغيرًا في الثانية من عمره، تحاول إغلاق فمه بقطعة قماش وإدخاله عبر باب خلفي يؤدي لسيارة دفع رباعي مشغلة ومستعدة للهرب!
الطفل أول ما رآني، رغم أنه لم يعرفني من قبل، صرخ بصوت هز جدران المكان:
— ماما! ماما!
كان الشبه بينه وبين ريهام قاتلًا… نفس العيون الواسعة، نفس الملامح البريئة، ونفس البكاء الذي رأيته في حلمي.
وفجأة، تحطمت الأبواب الزجاجية للمزرعة، وانطلقت صيحات التحذير وأصوات أجهزة اللاسلكي تعلو في كل مكان، بعد أن حاصرت قوات الأمن الوطني والعمليات الخاصة المزرعة من كل الاتجاهات!
انطلقت أعيرة نارية في الهواء، وسقطت المرأة على الأرض بعد أن حاصرها الضباط وسيطروا على سلاحها في ثوانٍ معدودة.
ارتميت على الأرض، وأخذت الطفل الصغير بين أحضاني. ضممته لصدري بكل ما فيّ من شوق وحرمان وحب.. غطيت وجهه بدموعي وبوساتي، وهو يتشبث بجلابيتي ويبكي باشتياق وكأنه وجد الأمان الذي حرم منه منذ ولادته.
المفتش دخل الملحق وهو منهك، تنفس الصعداء وقال بصوت ملؤه التأثر:
— الحمد لله على سلامتكم يا أم ريهام.. يونس في أمان خلاص، والمزرعة دي كانت المقر الأخير لغسيل أموال وإخفاء الأدلة للشبكة بالكامل.
رفعت رأسي ونظرت إلى وجه الطفل الصغير، ثم نظرت إلى السماء… شعرت في تلك اللحظة بنسيم دافئ يلامس وجهي، وكأن روح ريهام تحوم حولنا، تبتسم بسلام وتطير نحو السماء بعد أن أنقذنا طفلها وأعدنا الحق لنصابه.
لكن، وأنا أحتضن يونس وأخرج به إلى ساحة المزرعة وسط حراسة الشرطة، اقترب مني المفتش وقدم لي مظروفًا أصفر مغلقًا تم العثور عليه داخل الخزينة السرية للمزرعة…
وقال بنبرة صدمة جديدة:
— يا أم ريهام… الأوراق دي كانت مسجلة باسم بنتك ريهام… وفيها وثيقة تنازل غريبة جدًا مكتوبة باسم شخص ثاني غير مروان، شخص من أفراد عيلتكم أنتم!
تجمّد الدم في عروقي، وشعرت برعشة تسري في كل جسدي وأنا أسمع كلمات المفتش. “من عيلتنا إحنا؟!” رددت الجملة بصوت مبحوح لا يكاد يُسمع، وأنا أحتضن يونس بكل قوتي وكأنني أحميه من أشباح لا تراها إلا عيني.




