بنتي الوحيدة حكايات زهرة ٣

سحبت المظروف الأصفر من يد المفتش بإيدين بتترعش. كان المظروف ثقيلًا، ومختومًا بشمع أحمر قديم. فتحته ببطء شديد وسط حراسة ضباط العمليات الخاصة، واستخرجت الأوراق التي كانت بالداخل.

كانت الورقة الأولى عبارة عن وثيقة تنازل رسمية عن نصف ممتلكات وأراضي والدي — رحمه الله — ومبنى السكن الذي أعيش فيه، المكتوب باسم ريهام منذ صغرها! والاسم المكتوب في خانة المتنازَل له… كان عمها الكبير! “عبد الجواد”!

عمها عبد الجواد… الرجل الذي كان يبكي في العزاء بحرقة، والذي صرخ في وجهي يوم وفاتها وقال لي: “استهدي بالله واستر الميت وسيبك من الجنان!”.. الرجل الذي كان يمسك مروان ويحاول تهدئة الأمور ليتم الدفن بسرعة وبدون شوشرة!

الغل والحسرة أكلوا صدري، بس في نفس اللحظة حسيت بقوة جبارة تملأ قلبي. احتضنت يونس، وبست رأسه، وقلت للمفتش بنبرة صلبة كالحديد:

— عبد الجواد لازم يتقبض عليه فورًا، ولازم يتربى في القفص جنب مروان وباقي العصابة!

في نفس الليلة، صدرت أوامر فورية من النائب العام بضبط وإحضار عبد الجواد. داهمت القوات بيته في منتصف الليل، وجرّوه بالكلابشات أمام جيرانه وأولاده، وهو يصرخ ويتوسل ويحاول الإنكار، حتى واجهته النيابة بالأوراق والوثائق المضبوطة في المزرعة، ومواجهة مروان له في التحقيقات.

في ليلة الجلسة الختامية الحاسمة، كان الجميع في قاعة المحكمة. مروان سِيقَ إلى قفص الاتهام وهو شاحب الوجه، مكسور النظرة، بعد أن انكشفت كل جرائمه: قتل زوجته، وحرم طفله من أمه. أما عبد الجواد، فقد سِيقَ في الصباح الباكر إلى قاعة المحكمة تحت حراسة مشددة. كان وجهه أحمر وشاحبًا، وجسده يرتجف كالورق اليابس في الريح. جلس في قفص الاتهام وحيدًا بعد شريكه، وكانت نظرات الحاضرين في القاعة تحاصره كالسياط.

وقفتُ في الصف الأول، أرتدي ثوبي الأسود، وممسكة بيد يونس الصغير الذي كان ينظر حوله بفضول وبراءة، متمسكًا بيدي بكل قوة.

اعتلى القاضي المنصة، ودق بمطرقته ثلاث دقات هزت جنبات القاعة، ثم قرأ الحيثيات الحاسمة:

— بعد الاطلاع على كافة الأوراق، وما ثبت قطعيًا من أدلة، قررت المحكمة إحالة المتهمين إلى الجنايات بتهم القتل العمد، والتزوير، وغسيل الأموال، والتحريض على ارتكاب الجرائم.

صيحات التكبير والعدالة شقت صمت القاعة، بينما سقط عبد الجواد مغشيًا عليه داخل القفص، ليتذوق مرارة الذل قبل تنفيذ القصاص.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *