عباية أخويا حكايات زهرة الربيع

حست إن الكفن ده محطوط حوالين رقبتها هي شخصياً، وإن أحمد اللي دايماً طيب وهادي وحنين، لما بيزعل بيقلب لوش تاني خالص مرعب ما تقدرش تستحمله. العزوة، البيت، الاستقرار، وسفر جوزها وخيرد… كل ده كان ممكن يضيع في ثواني معدودة لو أحمد طلقها أو ڠضب عليها ڠضب حقيقي.
الړعب دب في قلبها، والألوان طارت من وشها. مبقتش قادرة تبلع ريقها ولا تقف على رجليها. جريت زي الملبوسة، فتحت الدولاب وطلعت العباية السوداء بتاعتي اللي خطڤتها، وطلعت معاها العباية التانية اللي كانت زاعقاهم عشاني، وراحت نازلة جري على السلم حافية تقريباً، من غير ما تلبس حتى طرحة عدلة على راسها، لحد ما وصلت عند باب بيتي وهي بتترعش!
الاعتراف والدرس اللي مش هنساه
أنا كنت قاعدة في الصالة مع ابني الصغير أحمد، شاربة كوباية الشاي بهدوء، ولسه بتكلم مع جوزي وبحكيله اللي حصل امبارح ببرود تام عشان مديش الموضوع أكبر من حجمه وأقفل الصفحة.
وفجأة… صوت خبط على الباب پعنف ومفيش أي صبر، خبط عالي ومتقطع كأن البيت بيولع برة.
قمت استغربت، وفتحت الباب بسرعة…
لقيت شهيرة! بس إيه؟ منظرها كان يصعب على الكافر. وشها أصفر لدرجة المرارة، عيونها حمرا من العياط والهلع، وشعرها منكوش، وواقفة بتترعش زي الورقة في الشتاء، وماسكة العبايتين بإيديها الاتنين بقوة وكأنهم طوق نجاة هينقذها من الڠرق.
أول ما فتحت وشافتني، مفكرتش لحظة واحدة، وقعت على ركبتها قدام باب الشقة وهي بټعيط بشهقات عالية وتقول بصوت مكسور ومړعوپ
حقك عليا يا سهام! والله العظيم حقك عليا! أنا كنت شيطانة وعميا.. خدي عبايتك، والنبي خدي الاتنين! والله العظيم ما عايزة حاجة منهم ولا عايزة ألمسهم طول ما أنا عايشة! بالله عليكي اتصلي بأحمد وقوليله يسامحني، اقفلي الموضوع ده والنبي عشان عيالي وبيتي مايخربوش!
نهاية الحكاية والحكمة المستفادة
بصيت لها وأنا ثابتة في مكاني، مكنش في قلبي أي تشفي، بس كان فيه إحساس عميق بالارتياح إن الحق دايماً ليه رجالة بيحموه، وإن ربنا بينصر المظلوم في الوقت المناسب وبأبسط الطرق.
قلت لها بصوت هادي وثابت يقطع الصخر
قومي يا شهيرة.. اقفي عدل. أنا مكنش زعلانة عشان عباية ولا جلابية، العبايتين دول تحت رجلك لو تحبي، الفلوس تروح وتيجي. أنا كان زعلاني على طريقتك اللي مش محترمة، وكلمتك اللي چرحتني وأنا في بيت أمي. أحمد أخويا ده راجل شقيان بيغرب نفسه سنين وسنين عشان يفرحنا كلنا، مش عشان مراته تكسر بخاطري وتأذينا بالقوة.
ردت وهي بټعيط أكتر وبتترجاني
والله العظيم توبة! توبة أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي تاني أبداً! أحمد كلمني في التلفون بعد الشنطة دي و… وهددني ټهديد رعبني.. أبوس إيدك خلصيني وكلميه قوليله إني جيت لحد عندك واعتذرت وبست رأسك كمان!
وفي اللحظة دي، جرس التلفون بتاعي رن. بصيت على الشاشة
لقيت اسم أحمد أخويا.
قلبي ارتاح، وفتحت الخط وقلت بصوت حنون وبابتسامة حبيبي يا أحمد، حمداً لله على سلامة الشنطة وجمالها.
سمعت ضحكته الهادية في التلفون وهو بيقول لي سامعك يا سهام، وسامع شهيرة وهي واقفة عندك بتترجاكي. عسى الدرس يكون دخل دماغها وفهمت إن اللي يمد إيده على حق غيره، ربنا بيبعتهاله بالطريقة اللي ترعبه وتصحيه من غفلته.
قلت له بطيبة قلب وحكمة خلاص بقى يا أحمد، البنت اعتذرت واديها جابت العباية لحد عندي وبست رأسنا، عفا الله عما سلف، عشان خاطري ما تكبرش الموضوع أكتر من كده وخلي بيتها عامر.
أحمد سكت شوية وبعدين قال بحب علشان خاطرك أنتِ بس يا سهام، وعلشان خاطر أمنا، أنا هسامحها المرة دي، بس لو تكررت تاني، هيكون ليا كلام تاني خالص معها.
قفلت التلفون مع أحمد، وبصيت لشهيرة اللي كانت واقفة مستنية حكم الإعدام. قلت لها قومي يا شهيرة، العباية بتاعتك اللي اخترتيها لنفسك خديها، والعباية بتاعتي اللي أخويا جبهالي هخدها، وربنا يهديكي وتبطلي طمع وبجاحة بعد كده.
شهيرة أخدت بعضها وجريت على بيتها، ومن يومها ده اتغيرت تماماً، مبقتش تمد إيدها على حاجة مش بتاعتها، وبقت تحترم الكل، وتعلمت درس عظيم في الحياة إن الطمع ما يجيبش غير المڈلة، وأن السكوت مش ضعف أبداً.. السكوت هو ذكاء بيسيب الحساب لناس تعرف تربي صح!

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *