أول يوم بعد الفرح ٣

في صباح يوم خريفي هادي، كنت قاعدة في مكتبي أراجع المستندات الأخيرة لصفقة استثمارية ضخمة، لما سكرتيرتي دخلت ومعاها ظرف بريدي شكله قديم وبسيط، ومالوش أي ملامح تدل على هوية المرسل.
بصيت للظرف باستغراب، وسألتها:
* “إيه ده يا مريم؟ ومنين وصل؟”
ردت بهدوء:
* “واحد من عمال النظافة سلمه في الاستقبال وقال إن فيه شخص غريب ادّاه له عشان يوصله لحضرتك بالاسم، ومشي فوراً من غير ما يسيب أي تفاصيل.”
فتحت الظرف ببطء. كان جواه ورقة واحدة مكتوبة بخط إيد رديء، ومعاها صورة قديمة ومطبوعة بحبر باهت.
قريت الكلمات اللي مكتوبة على الورقة:
> “بشرى.. عارف إن الكلام ما بيكفيش، وعارف إن الألم اللي سببته لكِ مالهوش مسامحة. أنا بكتب لك الكلمات دي من خلف قضبان الزنزانة اللي قضيت فيها سنة كاملة، سنة كاملة حسيت فيها بكل ذرة قهر وذل دقتها عيلتي وذقتها أنا بسبب غرورنا. أمي وأختي بيعيشوا في قرية بعيدة وسط ندم دائم، وأنا هنا بتعلم كل يوم درس جديد في التواضع. مابقاليش في الدنيا دي غير إني أطلب منك طلب واحد أخير قبل ما أتحول لشخص تاني خالص.. ادعي لي بالهداية والستر، وماتنسيش إنك كنتِ الدرس الأعظم في حياتي. مع السلامة يا بشرى.”
>
رفعت عيني من على الورقة وبصيت للصورة المرفقة. كانت صورة قديمة لزياد أيام ما كان لسه عايش في الوهم والجاه، قبل ما ينهار كل شيء حواليه.
قلبت الصورة والورقة، وحطيتها بهدوء في درج مكتبي، من غير ما ينزل مني دمعة واحدة، ومن غير ما أحس بأي شعور بالشماتة. إحساسي الوحيد كان السلام التام.
قمت وقفت قدام نافذة مكتبي الكبيرة اللي بتطل على نيل القاهرة، وتنفسعت بعمق. تذكرت كل دقيقة عدت عليا؛ من يوم الفطار، والقلم اللي نزل على خدي، لحد اللحظة دي اللي بقيت فيها مالكة قراري ومستقبلي بكل قوة وثبات.
الحياة مش بتدينا دايمًا اللي بنتمناه، بس بتدينا دائمًا الفرصة نكون أقوى، ونثبت إن الكرامة الإنسانية خط أحمر لا يمكن لأي مال أو جاه إنه يدوس عليه.
رجعت لمكتبي، قفلت الدرج، وابتسمت لنفسي وأنا عارفة إن الفصل ده اتقفل للأبد، وإن حياتي الحقيقية لسه في أولها.
### الجزء التاسع والأخير
مرت السنوات، والدنيا بتلف دايمًا بدورتها العادلة. مكتبي بقا صرح كبير ومهم، واسمي بقى مقترن بالنجاح والشرف والنزاهة. بقيت بشوف بنات كتير بتتعرض لنفس الضغوط والمواقف، وكنت دايمًا بحرص إن شركتي تكون هي السند والضهر لكل ست مظلومة فاكرة إن ملهاش صوت.




