بعت دهبي حكايات زهرة ٣

استدار كمال ببطء، وانهار في البكاء كالطفل الصغير، وابتعد بخطوات مكسورة ذليلة يجر خلفه ذيول الخيبة والندم الأبدي، بينما عدت أنا إلى مكتبي، رفعت رأسي عالياً، ونظرت من نافذة الدكان إلى السماء الصافية، وشكرت ربي ألف مرة على نعمة القوة، والكرامة، والعوض الجميل الذي لا يقدر بثمن.
أغلقت الدكان في نهاية اليوم، وخرجت مع طفليَّ نضحك ونسير في شوارع المنطقة التي باتت تعرف تماماً من هي “صاحبة الإمبراطورية”.. امرأة لم تكتفِ باسترداد حقها، بل صنعت من رماد قهرها تاجا من المجد والحرية لا ينطفئ أبداً.
## الجزء السادس: حصاد السنوات ومملكة الصبر
مرت السنوات، ولم تعد “دكانة الأمل” مجرد مشروع تجاري في الحي، بل تحولت إلى مؤسسة صغيرة متكاملة وواجهة لكل سيدة طموحة ترغب في إثبات ذاتها وبناء مستقبلها من الصفر. بفضل الله، ثم بفضل التخطيط السليم والإدارة الصارمة، افتتحت فرعاً ثانياً للمكتبة ودار النشر في حي راقٍ، وأصبح اسمي يلمع في المحافل الثقافية المحلية كواحدة من العصاميات اللاتي قاومن رياح الظلم والخذلان حتى صنعن لأنفسهن مجداً حقيقياً.
أما أولادي، فقد كبروا وأصبحوا شباباً يافعين، يملكون من الوعي والاعتزاز بالنفس ما يجعلهم سنداً حقيقياً لي. كان ابني الأكبر قد أنهى تفوقه الدراسي والتحق بكلية الحقوق، وكان دائماً يقول لي بابتسامة فخر:
* “يا ماما، إنتي مش بس ربيتينا، إنتي علمتينا إن الكرامة خط أحمر، وإن اللي يبيع حقه بإيده يستاهل الضياع، لكن اللي يدافع عن حقه للآخر ربنا بينصره مهما طال الزمن”.
وكنت أكتفي بابتسامة حانية، وأنا أرى فيه ثمرة صبري وجهدي، وأحمد الله ألف مرة على أنني لم أنكسر في تلك اللحظة القاسية، وأنني اخترت طريق العزة بدلاً من طريق الذل والهوان.
وفي أحد الأيام الهادئة، وأنا أتابع حسابات الدكان الجديد، جاءني اتصال من رقم غريب. ترددت لحظة قبل أن أفتح الخط، ليأتي لي صوت فتاة صغيرة مرتبكة تقول بصوت خافت:
* “أنا… أنا بنت عمتك… يعني بنت أخت كمال.. وحضرتك ماتعرفنيش كويس”.
توقف قلبي قليلاً للذكرى القديمة، ورددت بهدوء:
* “أهلاً يا حبيبتي.. خير، في حاجة؟”
قالت بصوت مكسور يملؤه الحزن:
* “عمتي… جدتي الله يرحمها ماتت من يومين، و… وكمال عمي حالته بقت سيئة جداً، قاعد لوحده في الشقة القديمة في بيت العيلة، تعبان ومرريض ومحدش بيسأل فيه، والناس نسيته تماماً… هو طلب مني أكلمك، مش عشان يطلب منك ترجعي، لكن عشان يقولك كلمة واحدة قبل ما يموت: ‘سامحيني يا نوال، أنا دُقت اللي عملته فيكي أضعاف مضاعفة، وحقي ضاع زي ما ضيعت حقك’”.




