بعت دهبي حكايات زهرة ٣

في أحد الأيام، وبينما كنت منشغلة بترتيب رفوف الكتب الجديدة في دكاني، دخل شخص لم أتوقع رؤيته قط بعد كل هذه السنوات.

رأيت ظلاً يقف طويلاً عند مدخل الباب، فرفعته عيني ببطء لأراه.. إنه كمال!

لم يكن ذلك الرجل المغرور، متبختر الخطوات، صاحب النظرات الاستعلاءية التي كانت تقتلني قديماً. كان شبحاً لرجل عجزت السنين عن رحمته؛ شعره ملؤه الشيب، وجهه شاحب تحفره التجاعيد العميقة، وظهرُه منحني وكأنه يحمل على كتفيه أثقال الأرض كلها. وقف يرتجف قليلاً، وعيناه ممتلئتان بالدموع والانكسار، ونظر إليَّ بصوت خافت مرتعش:

* “ازيك يا نوال.. عاملة ايه.. وأخبار العيال إيه؟”

وقفت خلف مكتبي بثبات مطلق، لم تتحرك فيني شعرة شفقة واحدة، لكنني لم أهنه ولم أصرخ في وجهه. نظرت إليه ببرود قاتل، ورددت بصوت هادئ وحاسم:

* “أنا وأولادي في أفضل حال يا كمال.. والحمد لله ربنا عوضنا بكل خير، وبقينا في عزة وستر وراحة بال مكنش نمتلكها واحنا معاك. جاي هنا ليه؟ خلصت الفلوس ولا العزوة سابتك؟”

ابتسم بابتسامة صفراء مكسورة، ونزل على ركبتيه أمام الدكان وسط المارة الذين وقفوا يشاهدون المشهد بذهول، وقال بصوت يتوسل الرحمة:

* “جاي أطلب منك السماح يا نوال.. جاي أقولك إني دُقت مرارة الظلم، وإني خسرت كل حاجة.. بيتي اهد، وأمي بتموت، وأنا بقيت شحات في الشارع.. سامحيني.. ارجعيلي.. العيال محتاجين أبوهم، وأنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي، بس سامحيني!”

نظرت إليه باحتقار صامت، وتذكرت تلك الليلة القاسية التي دفعني فيها بقوة على الأرض، وقال لي بكل قسوة: *”ولو قدرتي تثبتي إنك أديتني حاجة هابقى ارجعهالك يا حلوة!”*.

تقدمت نحوه ببطء، ووقفت أمامه مباشرة، ونظرت في عينيه المليئتين بالندم، وقلت بصوت صارم يقطع الصمت:

* “يوم ما بعت دهبي ودكانة أبويا عشانك، كنت فاكرة إنك راجل تستهل التضحية. يوم ما طردتني عشان تتجوز عليا في شقتي، افتكرت إنك قدرت تكسرني نهائي. لكنك كنت جاهل.. جاهل بقوة الست المصرية لما تنغدر في كرامتها وعرقها. اللي زيك مش بيتعلم بالكلمة، بيتعلم بالقرصات القوية من الزمن”.

أشرت بيدي نحو الشارع، وكملت بصوت حاسم:

* “امشي يا كمال.. روح لبيتك اللي خربته بإيدك، واطلب السماح من رب العالمين، أما أنا وأولادي، فصفحتك اتطوت من حياتنا للأبد، وما بيننا وبينه غير المحاكم وقانون النفقة والشرع. ولا تفكر يوم إن نوال القديمة ممكن ترجع.. نوال اللي قدامك دي ماتت من زمان، وولدت من جدي امرأة لا تقهر أبداً!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *