فاتن بقلم أماني السيد ٢

ـ يعني إيه رفضتِ؟ إنتي لسه داخلة البيت، وأنا حتى ما طلبتش منك تعملي حاجة!
غزل أشارت ناحية المطبخ وقالت: ـ طب والأكل اللي على النار ده مين هيعمله؟ والهدوم اللي متكومة دي مين هيغسلها؟ وأمك اللي محتاجة حد يساعدها في كل حاجة مين هيقوم بيها؟ والعيال اللي محتاجين حد يتابعهم مين هيراعيهم؟ إنت مستنيني أعمل كل ده وأنا في شهور الحمل الأخيرة؟!
كنت واقف قدامها ومش لاقي رد، لكنها ما سابتنيش أتكلم، وكملت وهي بتلم حاجتها: ـ أنا غلطانة إني صدقتك لما قلتلي إنك هتتصرف، وغلطانة إني افتكرت إنك هتكون سند ليا ولأمي، لكن واضح إنك مش عايز زوجة تشاركك حياتك، إنت عايز واحدة تشيل عنك مسؤولياتك، وأول ما ترفض، تحسسها إنها أنانية!
قربت منها وقلتلها: ـ رايحة فين يا غزل؟
ـ هاخد أمي وأمشي.
اتصدمت وقلتلها: ـ تمشي تروحي فين؟ إنتي لسه تعبانة، وأمك مش هتقدر تتحرك من غير رعاية!
ـ هتصرف، زي ما إنت بتقوللي أتصرف دلوقتي. أمي مسؤوليتي، وأنا مش هسيبها، لكن مش هقدر أشيل مسؤولية بيتك وولادك فوق مسؤوليتي.
ـ يعني هتسيبيني أنا كمان؟!
بصتلي غزل بمرارة وقالت: ـ إنت اللي سبت نفسك يا محمود، من يوم ما قررت إن كل واحد في حياتك لازم يشيل عنك، وإنت واقف تتفرج!
دخلت أوضة أمها، وساعدتها تجهز نفسها على قد ما قدرت، وبعدها طلبت عربية، وبمساعدة السواق قدرت تنقل أمها وتاخد حاجتها الضرورية.
فضلت واقف عند الباب، بتابعها وهي خارجة، ومش مصدق إن كل حاجة بتنهار في يومين.
ناديت عليها: ـ يا غزل، استني! طب استني نتكلم!
لكنها ما بصتليش حتى، وخرجت وقفلت الباب وراها.
وقتها حسيت إن البيت بقى أوسع من اللازم، وأهدى من اللازم، وأتقل من إني أقدر أعيش فيه.
بصيت على أوضة الولاد، ولقيتهم واقفين عند الباب، بيتابعوا اللي حصل، وابني الكبير سألني: ـ هي غزل مشيت ليه يا بابا؟
ماكنتش عارف أقول إيه، فدخلت أوضتي وقفلت الباب، وفضلت قاعد على السرير، حاطط إيدي على راسي.
كان نفسي أتصل بفاتن وأقولها ترجع، وأوعدها إني هتغير، لكن كنت عارف إنها المرة دي مش هتصدقني بسهولة.
وكان نفسي أتصل بغزل وأرجعها، لكن هي كمان مشيت، ومش عارف حتى راحت فين.
وفي وسط كل ده، سمعت صوت ابني الصغير بيعيط بره، وبيقول لأخوه: ـ أنا عايز ماما فاتن، أنا عايزها تيجي تنام جنبي زي كل يوم.
حسيت إن قلبي بيتقطع، لكن ما خرجتش لهم.
فضلت مكاني، أتجاهل رنات تليفوني، وأتجاهل رسائل غزل، وأتجاهل حتى عياط الولاد، مش علشان مش فارقين معايا، لكن علشان كنت عاجز أواجههم، وعاجز أعترف لنفسي إني وصلت للمرحلة دي بإيدي.
عدى اليوم، وبعده يوم تاني، وأنا لا عارف أشد حالي وأروح أدور على فاتن، ولا عارف أروح لغزل وأطلب منها ترجع.
كل واحدة فيهم كانت مستنية مني موقف، وأنا لأول مرة أكتشف إن السكوت مش هيحل حاجة، وإن الهروب اللي كنت فاكره أسهل حل، بقى هو السبب في كل اللي أنا فيه.
وبالليل، لما دخلت أطمن على الولاد، لقيت ابني الكبير نايم جنب أخوه، وحاضنه، وعلى المخدة جنبهم صورة صغيرة فاتن.
مسكت الصورة، وفضلت أبص فيها، وافتكرت كل مرة كانت بتطلب مني أقعد مع الولاد شوية، وكل مرة كنت أتحجج بالشغل أو بمصاريف غزل، وأقول لنفسي إنهم لسه صغيرين ومش هيفهموا.
لكنهم فهموا يا محمود… فهموا إن أبوهم موجود في البيت بجسمه، لكن قلبه ومسؤوليته في مكان تاني.
وساعتها بس، بدأت أفهم إن المشكلة ماكنتش في فاتن اللي مشيت، ولا في غزل اللي رفضت تفضل، ولا حتى في أم غزل اللي محتاجة رعاية.
المشكلة كانت فيّ أنا، وفي إني كنت عايز أرضي الكل من غير ما أتحمل مسؤولية حد، لحد ما خسرت راحة البيت، وبدأت أخسر الناس اللي كنت فاكر إنهم عمرهم ما هيمشوا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




